مقالات الكتاب >

الشيخوخة..ليست نهاية الدنيا!

بقلم د. رفيق حاج


الابناء والاشقاء ,الاخوة والاخوات ,الذين اغدق عليهم "شيخنا" في فترة شبابه ليسوا بالضرورة هم أول من يهبون لنصرته او لسدّ رمقه او لتبديد وحدته. على "كهولنا" البدء بالتخطيط لشيخوختهم ليضمنوا قسطا اكبر من السعادة والطمأنينة وراحة البال..!

 

الشيخوخة تشكل كابوسا لدى الكثيرين او على الاقل مصدر قلق وخوف وريبة, لكونها مقرونة بالضعف الجسماني وتدهور الحالة الصحية وفقدان الذاكره وخسارة المكانة الاجتماعية ووداع المظهر الشبابي النضر. لا تنسوا ايضا الخشية من الوحدة القاتلة النابعة من فقدان الزوج او الزوجة ووفاة الاتراب, والخوف من عدم القدرة على مزاولة وظائف الجسم الاولية كالمأكل والملبس والتبول بشكل مستقل, والخطر من فقدان السمع وتراجع النظر وقلة الشهية, وأخيرا, الخوف من زيارة ملاك الموت الآتي "لإلتقاطهم" لا محالة. لذا تطرقت جميع الاديان الى موضوع الشيخوخة وحثتنا على الرأفة بشيوخنا ونصحتنا ان نعاملهم بالحسنى, بل وعدتنا بثواب عظيم وأجر كريم لو قمنا بذلك. ان ادراج هذا الموضوع في كل الشرائع الدينية التي وُجدت على ظهر البسيطه يدل على اهميته  ومساهمته العظمى في ارساء قيم العدل والعطاء والرحمة في هذه الدنيا.  

في عالمٍ كعالمنا تسيطر به المادية والانانية والسطحية والتنافس على المواقع والتناحر على الارزاق, هنالك الكثير من الاخطار المحدقة بالانسان المسن مما يحتّم عليه القيام بالتخطيط المسبق لشيخوخته لتفادي تلك الأخطار او لتصغير حجمها. من يتوقع ان اولاده واحفاده سيعاملونه بنفس الرأفة والحنان والاحترام التي وهبها لآبائه وأجداده فهو مخطئ او على الاقل متفائل اكثر من اللزوم. على "كهولنا" البدء بالتخطيط لشيخوختهم ليضمنوا قسطا اكبر من السعادة والطمأنينة وراحة البال ابتداء من توفير المدّخرات التي من شأنها ان تنقذهم من العوز ومدّ اليد للآخرين وانتهاءً بايجاد مصدر رزق يتيح لهم دخلا مضمونا. على المسن ان يحذر الوقوع في مطب توريث الأبناء في حياته, وان يحرص ان تبقى الملكية في يديه ليضمن عدم تخليهم عنه في حالة وصوله الى العجز التام.

اذا لم تكن للمُقبل على سن الشيخوخة خطة لمزاولة عملٍ ما بعد سن التقاعد فعليه ان يسعى لتأجيل موعد الخروج للتقاعد الى آخر موعد ممكن, وان يعمل على ان تكون له علاقات اجتماعية متينة وحقيقية ومتنوعة مع شرائح مختلفة من المجتمع وليس فقط مع ابناء جيله لأنه لو اكتفى بهم سيصبح وحيدا بعد وفاتهم. هنالك ايضا حاجة ان يمارس بعض الهوايات كالمطالعة ولعب الشطرنج والورق وان يزاول التمارين الرياضية الخفيفة كالمشي او الهرولة وان تكون له اهتمامات في مواضيع سياسية اواجتماعية اومهنية وحتى الانخراط في نشاطات لخدمة المجتمع. ان فائض الوقت الذي ينتظر المسن هو العدو اللدود له وعليه ايجاد وسائل مفيدة وممتعة لاستغلاله.

ان المقبل على سن الشيخوخة عليه القيام "بمسحٍ عام"  ومن ثم تحليل جذري وتقييم مستفيض للاشخاص المحيطين به من اقارب واصدقاء ومعارف بكل ما يتعلق بنيّتهِم المستقبلية لمساندته ماديا او معنويا اوعاطفيا وتقصّي مدى استعدادهم المستقبلي للاهتمام باحتياجاته عند عجزه ومن ثم عليه بذل بعض الجهود لرعاية وتطويرعلاقاته بهم ليكونوا سندا له في المستقبل, وهنا المفروض من صاحبنا الا يخلط بين  نوعية العلاقة كما عليها الآن, وهو ينعم بكامل قواه العقلية والجسديه, وكما ستغدو عليه تلك العلاقة لو فقد معظم  موارده وقدراته ومكانته وهيبته. لا تؤاخذوني اذا ادّعيت ان الابناء والاشقاء ,الاخوة والاخوات ,الذي اغدق عليهم "شيخنا" ليسوا بالضرورة هم أول من يهبون  لنصرته او لسد رمقه او لتبديد وحدته, فقد تكون الكِنّة المغلوب على أمرها او الجارة المُقعدة او الصديق الغائب او عاملة التنظيف الفليبينية  هم ملائكة الرحمة الحقيقيون الذين يتولون أمره ويسعفونه في محنته.

 

علينا ان نهيئ انفسنا لاستقبال الشيخوخة كما نهيئ سيارتنا لفصل الشتاء. علينا ان نعدّ العدّة لهذا المشروع كأننا ننوي السفر الى بلاد بعيدة جدا محفوفة بالمخاطر وعلى ما يبدو لن تكون لنا رجعة منها, ولهذا الغرض ينبغي ان "نتسلح" بالمال وادوات الدفاع عن النفس وقوارب النجاه ومنطادات القفز من أعلى, وان نرافق الاشخاص الاوفياء ونتخذ القرارات الصائبة ونأخذ الحذر من المحتالين والمراوغين وقطّاعي الطرق وأن نؤمن على صحتنا وممتلكاتنا واموالنا.

   

هنالك مقولة متداولة لدى الكثير من الشعوب مفادها ان "الدنيا للشباب " أي من ليس شابا, فقد "راحت عليه" وليبدأ منذ الآن بالعدّ التنازلي الى ان تتوقّف مركبته عن المُضي وقلبه عن الخفقان, وهذا اعتقاد خاطئ ينبغي ضحده وتفنيده وعدم التسليم به.  هنالك ايضا من يعتقد بأن الحيوية والرشاقه والنشاط والحماس واللياقة والجمال تخص عالم الشباب فقط, لكن اذا نظرنا من حولنا نجد العديد من الاشخاص الذين بلغوا الخمسين فما فوق ولكنهم ما زالوا يتدفّقون حيوية ونشاطا ويحملون افكارا نيّرة وآراء متطوّرة  وطموحات جامحة وبالمقارنة تجد العديد من الشباب الذين ما زالوا في العشرينات مستسلمين لليأس والكسل ومُستلقين على ظهورهم طوال الوقت ومتقلّدين للافكار البائدة والرجعيه, مما يثبت ان الشباب ليس "سنّاً" وانما "حالة".

 

في رأيي الدنيا لا تخص الشباب وحدهم ولا الشيوخ وحدهم وانما تابعة لمن يحبّون الحياة ويعون قيمتها ويحاولون استغلال كل فرصة ليَسعَدوا وليُسعِدوا من حولهم ولا علاقة لذلك بالجيل او القوة البدنية او المستوى الجمالي ولا حتى الحالة المادية. بما ان الشيخوخة هي مرحلة حتمية وشباب اليوم هم شيوخ المستقبل,هنالك الكثير من الاسئلة التي ينبغي ان نوجهها الى انفسنا كأفراد ومسؤولين وقياديين ونسعى الى ايجاد الحلول لها-  لماذا لا نبذل الجهود الكافية من اجل ان تمرفترة الشيخوخة بسلام واحترام؟ لماذا لا نسعى اكثر الى غرس روح المحبة والاحترام لمن يكبروننا سنا اعتبارا ان عاداتنا وتقاليدنا العربية, وانا شخصيا مغرم بهاُ, تُحتّم علينا ذلك؟ لماذا لا نضمن لهم عيشا كريما كما ضمنوا لنا عيشا كريما؟ لماذا لا نتعامل مع الموضوع بجدية اكثر؟ 

 

البريد الالكتروني: [email protected]

 








شاهد ايضا

0 Comments


اضافة تعليق