مقالات الكتاب >

المفهوم ضمنا..!

بقلم د. رفيق حاج


هنالك بعضُ الازواجِ الذين يعتقدونَ أن زوجاتهم ستبقين  مستمرات في حبهن لهم والاخلاص لهم بالرغم من معاملتهم الفظة, او تجاهلِهُم لهنّ, او بخلهم او تبذيرهم او تقصيرهم. هناك من يفترض ايضا ان ثروته وصحته وقوته سيدومون للابد. التجربة الحياتية تثبت ان المشي على القدمين غير مفهوم ضمنا لبعض الناس ولا اعمال بديهية اخرى كالتنفس بملء الرئتين او شرب القهوة او تدخين السيجارة .



هنالك نهاية حتمية تنتظر كل الذين يتبنون او يتماشون مع نظرية "المفهوم ضمنا" وهي خيبة أمل كبيرة من المحيطين بهم,  حينما يفاجأون بردود الفعل غير المتوقعة والمعاكسة تماما لِما توخّوه منهم. وبما اني اخشى أن تكون نظرية "المفهوم ضمنا" غير مفهومة ضمنا لقرائي, وبما انني ادعي بحقوق الطبع عليها حتى ان يهبّ احدكم لمقاضاتي,  فأود ان استهلّ حديثي بتعريفها- "نظرية المفهوم ضمنا هي طريقة تفكير يقوم بها افراد او مجموعة يعيشون في وهم ,  أن هنالك احداث او سلوكيات او ردود فعل او مواقف ستحصل بشكل مؤكد وهي غير قابلة للجدال او الفحص او التمحيص..". على ما يبدو ان هذه العقلية راسخة في اذهان بعضنا وهي غير قابلة للتغيّر او التلاشي مهما اثبتت فشلها.

عندما قام الاخصائي النفسي بمساءلة احد الازواج عن سبب مطالبة زوجته بالطلاق منه فأجاب: انه مصعوق تماما من طلبها ومن ادعاءاتها المغالية بأنه يسيء معاملتها, وعندما سأله الاخصائي:

 هل تعتقد بأنك تحسن معاملتها فاجاب على الفور: "انا احب زوجتي جدا..وقد وفّرت لها كل وسائل الراحة.. فهي تسوق سيارة وتؤوم مراكز المشتريات كل اسبوع وتقتني ما طاب لها من ملابس واحذية واغراض للبيت.. اليس هذا سببا كافيا لتحبني وتكون ممنونة لي؟" وعندما سأله الأخصائي: "هل اشتريت لها باقة ورد اوهدية يوم عيد ميلادها؟" فأجاب: "لا", وهنا تابع الأخصائي النفسي بالسؤال: "هل تذكر يوم ميلادها؟" فاجاب: "اجل في شهر أذار..". ومن بعدها سأله الاخصائي عدة اسئلة متتالية كانت الاجابات عليها جميعها بالنفي :" هل تُرافِق زوجتك الى المطعم او الحديقة العامة او السينما؟", "هل تُبدِي اعجابك بجمالها او بقوامها او بفستانها", "هل صارحتها يوما بحبك وتقديرك لها..؟" وبعد السؤال العشرين الذي انتهى باجابة النفي ادرك الزوج تقصيره في حق زوجته وفهم سبب طلبها للطلاق منه.

هنالك بعض الازواج الذين يعتقدون أن زوجاتهم ستبقين مستمرات في حبهن لهم والاخلاص لهم بالرغم من معاملتهم الفظّة, او تجاهلهم لهنّ, او "خياناتهم الصغيرة", او بخلهم او تبذيرهم او تقصيرهم, او رائحة افواههم او رائحة العرق المنبعثة من اجسادهم او من شراهتهم وسمنتهم المفرطة,  اومن زعيقهم وانفجاراتهم المتكررة او شخيرهم اوعزوفهم المضاجع. وعندما تقوم الزوجة بطلب الطلاق او الهرب من البيت او حتى الخيانة الزوجية فانهم يُصعقون من ردة فعلتهن هذه ويعتبرونها عصيانا وانفلاتا وفحشا عظيما. من يحسب ان زوجته ستحبه وتخلص له بكل ثمن وكل شرط هو مخطئ. ان تبنيه لعقلية "المفهوم ضمنا زوجتي تحبني..وتخلص لي.." ستوصل به وبزواجه الى الحضيض.

كذلك الامر بالنسبة لمن يظن أنه لا يوجد أي احتمال في العالم ان يقوم ابنه بسرقة البضاعة من متجره او المال من محفظته فكيف يجوز ذلك "فهو ابنه"؟ ومفهوم ضمنا ان الابن لا يسرق من ابيه. الكثير منا يعتقدون ان من اغدقت عليه لن يغدرك, ومن قمت بمناصرته سيناصرك, ومن قمت بتأييده سيؤيدك ومن ضحيت الكثير من اجله سيعترف بجميلك الى مدى الحياة ومن وقفت الى جانبه اليوم سيقف الى جانبك غدا.

نحن نفترض ايضا ان ثروتنا وصحتنا وقوتنا ستدوم للابد. حتى المشي على القدمين غير مفهوم ضمنا لبعض الناس ولا حتى اعمال بديهية اخرى كالتنفس بملء الرئتين او شرب القهوة او تدخين السيجارة او لعب الورق. مهما ساء حالنا , علينا ان نفترض انه هنالك حال اصعب منه واقسى منه قد يكون من "حظنا", وألاّ نرى بالامور البسيطة التي نزاولها كالقيام او الجلوس او الأكل او الشرب اوالتبول امورا مفهومة ضمنا فهنالك من المرضى والعجزة والمعاقين غير القادرين على القيام بها.

حاولت جاهدا ان اجد تفسيرا معقولا لماذا نختار تقمص هذه العقلية المخطوءه التي تفترض ان بعض الاحداث والمواقف والسلوكيات مفهومة ضمنا, ووصلت الى بعض النتائج النصفية:اولها, من يركب هذه الموجة يعفي نفسه من البحث والتنقيب والمراجعة والمراقبة والتحليل الذين يتطلبون  جهدا وطاقات يسعى صاحبنا لتفاديها. فالنظر الى الامور كأنها مفهومة ضمنا لا تتطلب منه أي مجهود سوى الافتراض. عندما يفترض الزوج ضمنا ان زوجته ستتحمّل قسوته وسوء معاملته وبخله بكل حالة فلا حاجة ان يقوم باي مجهود لارضائها, والمرشح لرئاسة السلطة المحلية عندما يفترض ضمنا ان عائلته ستقوم بتأييده يتوانى عن تفقدهم وزيارتهم للتأكد من ذلك, والطالب الذي يفترض ضمنا بأن اسئلة الامتحان لن تعتمد على المادة القديمة التي تعلمها في بداية الفصل يعفي نفسه من الجهد المطلوب لمراجعتها. ثانيها, عندما يقوم صاحبنا بتبني نظرية "المفهوم ضمنا" فمثله كالنعامة التي تدفن رأسها في الرمل. يشكّ انه مقصّر في حق ابيه او امه او زوجته او اخيه او اخته او اولاده لكنه يفضّل عدم الخوض في التفاصيل خشية من مواجهة الحقيقة. يفضّل الافتراض الوهمي بأن اقرباءه واصدقاءه يحبونه ويؤيدونه ويهبون لمساعدته ولا حاجة لفحص ذلك لكي لا يُصاب بذبحة صدرية اذا تبين له العكس.

غالبا, تكون خيبة الأمل وقلة الحيله من نصيبِ من يغالي في تبني نظرية المفهوم ضمنا بعد ان يكتشف بأن افتراضاته كانت وهمية وساعتها من الجائز ان يكون رد فعله متطرفا الى اقسى الحدود ابتداءً من التقوقع والقبوع بالبيت اثر فقدان الثقة بالناس وخاصة المقربين منه وانتهاءَ بالقيام بأعمال عنيفة ضد من خذلوه ولا يستبعد ان يقوم بايذاء نفسه. حجم "المأساة" التي قد تنتابه كحجم الافتراضات التي افترضها. 

 






شاهد ايضا

0 Comments


اضافة تعليق