مقالات الكتاب >

دلالة القمة المصرية الجنوب افريقية الاقتصادية

بقلم د. عادل عامر


ان مباحثات الزعيمين السيسى وزوما ستركز على العديد من القضايا ذات الاهتمام المشترك على رأسها قضية مكافحة الإرهاب مؤكدا ان هناك تطابقا وتنسيقا تاما بين البلدين فى هذا الصدد، كما سيبحث الجانبان تطورات الأوضاع فى كل من ليبيا وغزة باعتبارهما احد أهم الشواغل المشتركة بين البلدين، وكذلك فى إطار الاتحاد الإفريقي، وذلك فضلا عن التحضير لقمة التجمعات الاقتصادية الثلاثة التي ستستضيفها مصر فى يونيو المقبل.



كما أعلن اجبيسى ان زوما سيوجه دعوة للرئيس عبد الفتاح السيسى لحضور قمة الاتحاد الافريقى المقرر ان تستضيفها بريتوريا فى شهر يونيو. ليس من الممكن سوى الاعتراف بأن بكين أقدمت على خطوة ذكية عندما قررت عرض انضمام جنوب إفريقيا كعضو جديد إلى تجمع مجموعة بريك (التي تجمع كلا من البرازيل وروسيا والهند والصين). ورغم ان العرض كان قائماً بالدرجة الأولى على أسس اقتصادية فإنه يحمل دلالات ونتائج أخرى أكثر بعداً.

 

 تبرز في هذا الإطار أيضًا ملاحظة ذات طبيعة منهجية وموضوعية في آن واحد، ألا وهي ضرورة الحرص على مقاومة منطق تجزئة القارة إلى إقليمين منفصلين: شمال إفريقيا، وإفريقيا جنوب الصحراء، والذي يتسق مع التوجه العام إلى تقسيم العالم إلى "أقاليم" في السنوات الأخيرة.

 لكن علينا أن نتنبه إلى أن هذا التقسيم ليس إلا استحضارًا لمفردات لغة خطاب استعماري تجزيئي وتقسيمي كان من المفترض أن ينتهي بزوال الاستعمار التقليدي والاستيطاني والعنصري عن القارة السمراء.

لكن ذلك لم يحدث، بل استمر استخدام هذا الخطاب، أحيانًا على لسان بعض أبناء القارة أنفسهم، ويتم ترسيخ ذلك من خلال بعض الأفعال غير المسئولة من جانب بعض الساسة، سواء من شمال القارة أو من جنوبها.

 بل ومع الأسف تسللت هذه اللغة إلى بعض الوثائق والدراسات والبحوث، الصادرة عن هيئات ولجان وجهات الأمم المتحدة والوكالات الدولية المتخصصة المرتبطة بها.

لا شك ان القرار الصيني بتوجيه دعوة إلى جنوب إفريقيا للانضمام إلى بريك يحمل انعكاسات سياسية إلى حد كبير، وهو يقوم على اعتبارات إستراتيجية. كما ان اختيار جنوب إفريقيا يأتي كخطوة شجاعة لدحض تكهنات "جيم أونيل"، رئيس مجلس إدارة أصول في بنك "جولدمان ساكس" الذي أطلق تسمية "بريك" على الدول المذكورة كونها تضم الاقتصادات الناشئة القديمة، بعدما كان قد تنبأ بأن نيجيريا في أفضل وضع للانضمام إلى صفوف بريك.

ومن المقرر عقد القمة القادمة لبريك في ابريل القادم في بكين، حيث ستنضم إليه جنوب إفريقيا المرة الأولى بصفتها عضوا في المجموعة.

لماذا جنوب إفريقيا؟

قد يتساءل الجميع: لماذا جنوب إفريقيا؟ فبالنظر إلى حجم اقتصادها ونموه، ومعدل النمو السكاني فيها، تبدو جنوب إفريقيا متأخرة كثيرا عن المستوى المتوسط لدول مجموعة بريك.

حتى ان اونيل الذي شعر بخيبة أمل من عدم الإصابة في توقعاته قطع عطلة الميلاد ليعلن: " انه ليس من الواضح تماما بالنسبة إلي لماذا وافقت مجموعة بريك على انضمام جنوب إفريقيا إليها. كيف يمكن اعتبار ان جنوب إفريقيا تمتلك اقتصاداً صاعداً؟".

 

في الواقع، يبلغ الناتج المحلي الإجمالي لجنوب إفريقيا نحو 285 مليار دولار بالمقارنة مع روسيا أو الهند (1600 مليار دولار)، البرازيل (2000 مليار دولار) أو الصين (5500 مليار دولار). لكن الناتج المحلي الإجمالي لا يحكي القصة كلها تماماً، ومع ذلك فمن الواضح أن الصين قد قامت ببعض الحسابات الذكية.

أدركت الصين أن جنوب إفريقيا مهتمة بالانضمام إلى مجموعة بريك لذلك دعمتها بشدة في محاولة للقول ان الصين مستعدة للذهاب إلى ابعد الحدود لحماية مصالح شريكتها الإفريقية. لكن خطوة الصين جاءت غير متوقعة حتى بالنسبة إلى أونيل الذي ابتكر مصطلح بريك الذي يضم الأحرف الأولى من أسماء البرازيل وروسيا والهند والصين بالانكليزية.

 وقد سبق لأونيل ان توقع ان هذه الدول الأربع ستحقق نموا اقتصاديا هائلا بحيث ان حجم اقتصادها سيتفوق في عام 2050 على اقتصاد الدول الأغنى في العالم. لكنه كان شبه متأكد من ان المجموعة لن تتحول إلى تكتل اقتصادي أو اتحاد يشبه الاتحاد الأوروبي ويستقبل أعضاء جددا.

لكن في الآونة الأخيرة انضمت جنوب إفريقيا إلى مجموعة بريك التي باتت تعرف اختصاراً باسم "بريكس".عظم الاعتماد المتبادل والتشابك الكثيف بين اقتصادات العالم اليوم من أهمية التعاون والتكامل على مستوى القارة الإفريقية ككل، خاصةً فيما يتصل بالترتيبات الاقتصادية والتجارية والنقدية والتمويلية، وما يتصل بها من ترتيبات التعاون والتكامل من جهة مشروعات البنية التحتية المادية من طرق وكباري وجسور ووسائل نقل بالسكك الحديدية ونقل بحري وموانئ ونقل جوي ومطارات وغيرها.

وبالرغم من وجود قصص نجاح عديدة في هذا الصدد من بينها "السادك" لدول الجنوب الإفريقي و"النيباد" التي تضم مصر ودولا مختارة من مختلف أقاليم القارة الفرعية الخمسة في عضويتها و"الكوميسا" لدول جنوب وشرق إفريقيا - فإن هذه التجمعات، وغيرها، لم تنجح في تحقيق الآمال التي كانت معقودة عليها، بل إنها لم ترتقِ إلى مستوى أقل الرؤى المطروحة عند إنشائها طموحًا.

ويعني ذلك من الناحية العملية أمرين: الأول أن على الحكومات والتجمعات الإقليمية القيام بالمزيد من الجهد، وإظهار المزيد من الإرادة السياسية والجدية التنفيذية للتقدم في مسيرة تلك الترتيبات التعاونية والتكاملية على الصعيدين الإقليمي ودون الإقليمي، والثاني أن على المجتمع الدولي واجب مد يد العون: أولا بالإقرار بمكانة ودور هذه الترتيبات، وثانيًا بالتعاون المؤسسي والمنهجي والمنتظم معها، بما يشمل تمكينها من الارتقاء إلى توقعات النخب والشعوب الإفريقية، وتلبية متطلبات التنمية والتعاون والتكامل فيما بين الدول الإفريقية على الصعيدين الإقليمي أو دون الإقليمي.

 وأمام هذه التطورات العالمية تتبارى الدول المختلفة في البحث عن شركاء تترابط معهم ضمن أطر مؤسسية لمواجهة التكتلات الاقتصادية الصاعدة والحد من الهيمنة الخارجية على مقدرات الشعوب، ولا تبتعد أهداف الدول العربية والإفريقية عن هذه المسارات، فقد ترجم عدد من القوى الخارجية (الصين والهند واليابان) النوايا العربية للشراكة، فما بالنا بالجوار الإفريقي، الذي يواجه تدافعاً دولياً وإقليمياً غير مسبوق لاستغلال ثرواته الطبيعية وطرق تجارته والحصول على دعم دوله في المحافل الدولية، بل واستخدامه في تهدد المصالح والأمن القومي العربي .

 وعلى الرغم من النمو المطرد للاستثمار الأجنبي المباشر في إفريقيا الذي بلغت تدفقاته عام 2012 ما يزيد على 50 مليار دولار، ونجاح بعض الدول العربية، خاصة الخليجية، في زيادة استثماراتها في إفريقيا خلال السنوات القليلة الماضية، حيث زادت التجارة السنوية بين الشرق الأوسط وإفريقيا بمعدل خمسة أضعاف على مدى العقد الماضي وبما يقرب من 49 مليار دولار . فخلال عام، 2008 استثمرت دول الخليج أكثر من 8.5 مليون دولار كمساعدات لإفريقيا، كما أن محاولات الصين وبعض القوى الصاعدة الأخرى في النظام الدولي كسب النفوذ والسيطرة في أفريقيا تمثل هي الأخرى تحديات لمنظومة العلاقات العربية الأفريقية.

وإذا أخذنا بعين الاعتبار طبيعة التحديات الاقتصادية والأمنية والسياسية التي تواجهها الشعوب العربية والأفريقية لوجدنا أن الاستجابة لروح مشروع النهضة الأفريقية كما أسس له رئيس جنوب أفريقيا السابق ثابو مبيكي وطموحات المبادرة الجديدة للتنمية في أفريقيا (النيباد) عام 2001 تعني ضرورة الانحياز لخيار التعاون العربي والأفريقي وفقاً لمنظور الشراكة والمصالح المشتركة.

ما الذي حدث خطأ؟ لقد كان المأمول في السبعينيات من القرن المنصرم اضفاء الطابع المؤسسي على العلاقات العربية الأفريقية من خلال مؤتمر القاهرة عام 1977، وخلال هذه الفترة تحدث البعض عن "استراتيجية سلة الغذاء" حيث تساعد الدول الأفريقية الغنية بمواردها الطبيعية فى تحقيق الأمن الغذائي العربي في حين تساعد الدول العربية النفطية الغنية في توفير الدعم المالي والتنموي اللازم لنهضة أفريقيا.

 ويمكن فهم الاتجاه الحماسي لدعم التعاون العربي الأفريقي خلال هذه المرحلة التأسيسية استنادا إلى عدة اعتبارات لعل من أبرزها: التوكيد المشترك على أهمية الاعتماد الجماعي على الذات لمواجهة تحديات التنمية في العالمين العربي والأفريقي، وقيام اسرائيل عام 1967 باحتلال أراضي أفريقية وهو ما جعل كثير من الدول الأفريقية تقطع علاقاتها معهاً في أعقاب حرب 1973.

يقول الرئيس احمد سيكوتوري:" إن دعمنا للقضايا العربية ينبع من مسألة التضامن العربي الأفريقي التي كانت تشكل دائما ركيزة أساسية لسياسة غينيا .

ولا يعتمد هذا الدعم على أي مكافآت مالية تدفع لنا من قبل العرب . لقد وقفنا من قبل مع العرب لأننا اعتقدنا أنهم كانوا على حق ، وليس لأننا توقعنا منهم أي مكاسب مالية . ولا أدل على ذلك من قيام غينيا بقطع علاقاتها مع إسرائيل عام 1967 عندما بدأت الدولة الصهيونية عدوانها ضد العرب . فعلنا هذا على الفور

    كاتب المقال

    دكتور في الحقوق و خبيرفي القانون العام

ومدير مركز المصريين للدراسات السياسية والقانونية والاقتصادية

 عضو  والخبير بالمعهد العربي الاوروبي للدراسات الاستراتيجية والسياسية بجامعة الدول العربية






شاهد ايضا

0 Comments


اضافة تعليق