مقالات الكتاب >

الانجازات الفردية وحدها لا تكفي..

بقلم د. رفيق حاج





 

مهما تألّقت انجازاتُنا الشخصية كأفراد  فان ذلك لا يضمنَ لنا مجتمعاً قويا وقادراً على شق طريقه، ولا يضمن لنا  التصديَ للأخطار المُحدقة بنا ولا يؤهّلنا لبناء المدينة الفاضلة. هنالك حاجة ماسة لتنشيط العمل الجماعي في مجتمعنا وواجب على كل واحد منا ان يشارك به

 

لقد قامت الدولة العبرية بتبني نظام الاقتصاد الحر او ما يسمى السوق الحرة الذي يعمل حسب ما يُمليه العرضُ والطلبُ، والحكومة لا تتدخّل في مستوى الاسعار إلا في بعض السلع القليلة، وهذا حدا بشريحةٍ لا بأس بها من المجتمع، ومن ضمنها العرب، ان تنجح في اعمالها كالتجار والمتعهدين والخبراء والمحامين وغيرهم، فعندما يكون السوق هو الذي يحدد امكانية النجاح وليس سياسة الحكومة فأن المقابل الأكبر الذي يتلقاه الزبون بشكل عام يشجّعه على اختيار المزوّد العربي. فالمزوّد العربي يكتفي بربح اقل نسبيا من المزوّد اليهودي ومصاريفه التشغيلية أقل لأنه يشغّل احيانا ابناء عائلته ويستعمل جناحاً او طابقاً من داره كمكان عمل. هذه الحقائق والمعطيات جعلت نجاح الفرد العربي ان كان صاحبَ متجر او طبيبَ اسنان او ميكانيكيا او متعهدَ بناءٍ او مزوّدَ خدماتٍ أمراً ممكناً فالسوق مفتوحة للجميع، وإن استثنينا بعض العنصريين اليهود الذين يقتنوا بضاعتهم من العربي حتى لو عَرَضها بنصف السعر، نجد أن الأغلبية تسارع للبحث عن الأفضل والأرخص.

هنالك طبقة لا يستهان بها من الأفراد العرب الذين اغتنوا على خلفية السوق الحرة، هذا بالإضافة طبعا الى كفاءاتهم العالية وإخلاصهم للعمل ومستوى الخدمات التي يقدمونها الى الزبائن. هذه الشريحة بدأت بالتأثير على الواقع السياسي والاجتماعي الذي نعيشه إذ خاضت الانتخابات المحلية وفازت بمقاعد ورئاسات بالسلطة المحلية، ومنهم من قام ببناء بيوت فخمة واقتنى سيارات فاخرة واشترى اراضي وبنى مخازن للإيجار من الثروة التي جمعها، وفي كل بلد عربي تقريبا هنالك حارة او اكثر تجد فيها فيلات كبيرة وجميلة مُحاطة بحديقة يانعة ومحصّنة بجدار عالٍ ومُحكَمة بجهاز إنذارٍ متطورٍ وكاميرات لردع كل معتدٍ.

يقوم هؤلاء "الاثرياء" بتعليم اولادهم في مدارس خارج البلد او يبادرون الى اقامة مدارس اهلية يلتحق بها من حظاه الله بذكاء مميز وقادرٌ على دفع اجرة التعليم، وهكذا بدورهم يُدخِلون اولادهم الى دائرة الخبراء والمهنيين والمزوّدين الذين يتقنون التعامل مع السوق الحرة ويغتنون من ورائها. هذه السيرورة تؤدي الى نجاحات وتألقات فردية لا بأس بها لكن هذه النجاحات غير كافية للنهوض بالمجتمع ولا تؤدي الى رفع مستوى رفاهية الناس، فالشارع ما زال مليئا بالحفر والساحة "غرقانة"  بالمهملات، واصوات المعلنين عن بضاعتهم بالميكروفون تصمُّ الآذان، والغبار والضجيج في كل ركن وناحية. مدارسنا ما زالت ضعيفة وسلطاتنا المحلية تئن من العجوزات المالية ومن انتقاص المهنية والدافعية للعمل، وهذا ينعكس على الواقع الذي نحياه.  

على ما يبدو.. مهما تألّقت انجازاتُنا الشخصية-  الاقتصاديةُ منها والمهنيةُ  والثقافيةُ، فان ذلك لا يضمنَ لنا مجتمعاً قويا وقادراً على شق طريقه، ولا يضمن لنا  التصديَ للأخطار المُحدقة بنا ولا يؤهّلنا لبناء المدينة الفاضلة. هنالك حاجة ماسة لتنشيط العمل الجماعي في مجتمعنا وواجب على كل واحد منا ان يشارك به. اذا لم نُخصّص جزءا هاما من طاقاتنا لبناء مجتمعنا فسنظلّ نُدرَج بين الشعوب القابعة في أسفل السلّم. اذا لم نرَ في الشارع المحاذي لبيتنا امتداداً لصالوننا فنحن في مشكلة. ان لم نعتبر الحديقة العامة حديقتنا الخاصة فنحن في ورطة.  ان لم نعتبر العنف والتخريب الذي يُمارس ضد الممتلكاتِ العامةِ تخريباً وعنفاً ضدنا فنحنُ في أزمة.

يتمثل العمل الجماعي بما تقدمه الأطرُ والجمعياتُ والمؤسساتُ الرسميةُ وغير الرسمية من مبادراتٍ وخدماتٍ من اجل البلدِ كل البلد: كالقيام بحملةِ تبرعٍ من اجل اقامة مدرسةٍ ، او المظاهرةِ من اجلِ إقصاء الهوائيات من المناطق السكنية، او إقامة جمعية لمساندة ذوي الاحتياجات الخاصة وحتى دفع الضريبة البلدية هو عمل جماعي حيث تُجبى اموالٌ بشكلِ ضرائبٍ من اجل توفير الخدمات البلدية للجميع.

لقد قمت ببحثٍ حولَ العملِ الجماعيِّ في المجتمعِ العربي عندما اعددت رسالة الدكتوراه ووصلت الى نتيجةٍ حتميةٍ بأن مستوى العمل الجماعي لدينا متدنٍ بل هو في تدهورٍ مستمرٍ. يُخطئ البعض اذ يظنّ بان النجاحَ على المستوى الفردي كافٍ لضمان العيش الكريم لأن الفردَ ما زال بحاجةٍ ماسةٍ للخدماتِ العامةِ التي تزوّدها المؤسساتُ القائمةُ في المجتمع كالمدارس وروضات الاطفال والسلطات المحلية وعيادات صناديق المرضى وغيرها والتي بحاجة الى مشاركة الجمهور ورقابته وتعاونه. هذه المؤسسات تؤثّر بشكل مباشرٍ على مستوى حياتنا وعلى صحتنا النفسية والجسدية وعلى مستقبل اولادنا وعلى رغدِ عيشِنا ولذا علينا بذل الجهد المطلوب من اجل مراقبة عملها وتحسين إدائها واختيار الممثلين الأفضل لإدارتها.

 

ان العطاء وعمل الخير والتضحية من اجل المصلحة العامة هي فروض تناولتها كل الاديانُ والشرائعُ ولا بدّ من تذويتها في النفوس والعقول والاعمال. ان العمل من اجل البلد هو استثمار ذو مردود رائع ولا بُدّ  من القيام به. قال الرئيس الامريكي السابق جون كنيدي: "لا تقل ماذا يستطيع البلد ان يقدّم لي.. بل قل ماذا استطيع ان اقدّم لهذا البلد.."

 

مهما بلغ الفردُ من القوةِ والذكاءِ لا يمكن أن يكون أقوى من المجموع، وكما قال الكاتب الكبير ـ صاحب النظريات الثورية في علم الإدارةـ كين بلانشارد "ليس بيننا فردٌ واحدٌ يبلغ ذكاؤه درجة أعلى منا مُجتمِعين". إذا تأملتم الحياة الدنيا ستجدونها قائمةً على التكاتفِ والتعاونِ بين الأفراد. انظروا الى ممالكِ النحلِ والنمل واسرابِ الطيور كيف تتعاون فيما بينها لتؤمّن مسكنها وغذاءها وديمومتها، فلنتعلم منها ولنحذو حذوها.






شاهد ايضا

0 Comments


اضافة تعليق