مقالات الكتاب >

شرعية مقاومة الشعوب الأوروبية للاحتلال النازي

بقلم رمزي النجار



تعتمد حركات المقاومة لقوات الاحتلال في أي بلد كان على بطلان ما اصطلح على تسميته في الماضي بمبدأ «حق الفتح» وعدم شرعية ضم أراضي الغير بواسطة العدوان والاحتلال، وكذلك احترام مبادئ السيادة والاستقلال وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وعلى حق الشعوب والأمم في تقرير مصيرها وعلى بطلان مرور الزمن المكسب للحقوق مهما طالت المدة الزمنية للاحتلال، وقد عبر الفقيه القانوني هفتر عن هذا الحق بقوله إن «قرناً كاملاً من التملك غير المشروع لأراضي الغير لا يكفي لإزالة البطلان الذي حل منذ البدء».



كما رفضت محكمة العدل الدولية الأخذ بمبدأ مرور الزمن المكسب للحقوق في العلاقات الدولية.

حدثت بعد الحرب العالمية الثانية تطورات كثيرة على هذه المبادئ ترسخت على شكل مواثيق دولية وأحكام قانونية ملزمة إلزاماً قانونياً لجميع الدول التي وقعت على مثل هذه المواثيق، كميثاق الأمم المتحدة الذي نص في الفقرة الثانية من المادة الأولى على حق الشعوب في تقرير مصيرها.

وكذلك أكدت الهيئة العامة للأمم المتحدة على حق تقرير المصير في قرارين صدرا بتاريخ 5 ـ 2 ـ 1952 وبتاريخ 16ـ 12ـ 1952 وفي الإعلان العالمي القاضي بمنح الاستقلال للمستعمرات بتاريخ 14 ـ 12 ـ 1960، وفي الميثاق الدولي للحقوق السياسية والمدنية الذي وافقت عليه الأمم المتحدة في 16 ـ 12ـ 1966.

وتضمن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان واتفاقيات جنيف الكثير من هذه المبادئ بالإضافة إلى مبادئ جديدة تنص على كيفية معاملة السكان المدنيين في المناطق المحتلة وأفراد المقاومة والقوات المسلحة.

وبالعودة إلى الوراء ترى أن الشعوب الأوروبية بدأت منذ أن بدأ الغزو الهتلري لأوروبا بتنظيم حركات المقاومة في الأراضي المحتلة لمقاومة القوات الألمانية المعتدية وذلك بإنزال الخسائر بها وبالتالي لمساعدة القوات النظامية المسلحة على تحقيق النصر، وكانت بعض حركات المقاومة تتلقى المساعدات الضخمة من الدول الحليفة.

تخيل هتلر عندما أشعل الحرب العالمية الثانية بأن النصر سيتحقق له خلال أسابيع، ولكنه لم يكن يتصور بأن هجومه سيولد منظمات المقاومة ضد قواته المحتلة، وبالفعل فقد تشكلت منظمات لمقاومة الاحتلال الألماني في كل من الاتحاد السوفييتي وفرنسا ويوغسلافيا واليونان وبولندا وتشيكوسلوفاكيا و غيرها، مما اضطر القوات الألمانية المحتلة أن تحارب على جبهتين.

جبهة متقدمة حيث تواجهها الجيوش النظامية وجبهة خلفية حيث تقاومها منظمات المقاومة.

واتخذت بعض حركات المقاومة مركزاً لها في الخارج، ففي النرويج مثلاً تكونت حركة مقاومة شعبية تتلقى تعليماتها من رئاسة أركان الحرب النرويجية في إنكلترا.

وفي بلجيكا نظم الضابط لينز حركة للمقاومة عام 1940، وفي اليونان نزع رجال المقاومة في أيار 1941 العلم النازي عن الاكروبولويس معلنين بداية المقاومة اليونانية.

وبدأت المقاومة في البلدان الأوروبية بالكراهية الشديدة للعدو الألماني المحتل ثم تطورت إلى القيام بعمليات مسلحة.

المقاومة السوفيتية:

تعتبر المقاومة السوفييتية إبان الحرب العالمية الثانية من أبرز حركات المقاومة ضد القوات الألمانية المحتلة، فقد بدأت بعد فترة قصيرة جداً من الهجوم الألماني الذي وقع على الاتحاد السوفييتي في الثاني والعشرين من حزيران عام 1941 وبعد أن وضعت ألمانيا خطة بابروس لاحتلال الاتحاد السوفييتي وخطة أولدنبرغ لاستثماره اقتصادياً وخاصة استغلال البترول في باكو، وساعدت وحشية القوات النازية في معاملة المواطنين السوفييت ونهب ثرواتهم ومواردهم في تأجيج حركة المقاومة.

وانطلق رجال المقاومة السوفييت من حقيقة أن العدو الألماني يحتل جزءاً من وطنهم وأن الجيوش السوفييتية تقاتل في جبهات القتال فعليهم أن يقاتلوا قوات الاحتلال خلف الخطوط، فكانوا يفجرون مستودعات الذخيرة ويخرجون القطارات عن خطوط السكك الحديدية وينسفون الجسور وينصبون الكمائن لدوريات العدو وقواته ويحرقون مستودعاته. واستمرت المقاومة السوفييتية إلى أن تم تطهير الأرض السوفيتية من القوات الألمانية المعتدية، ولقد اعتبرت محكمة نورنبيرغ الهجوم الألماني على الاتحاد السوفييتي في 22 ـ 6 ـ 1941 عملاً عدوانياً، بينما دافع الفاشست الألمان عن ذلك بقولهم أنه عمل دفاعي وقائي تماماً كموقف الفاشست اليهود من عدوان حزيران.

المقاومة الفرنسية

في السابع عشر من حزيران 1940 طلبت فرنسا عقد هدنة بينها وبين ألمانيا بعد أن اجتاحت قواتها جزءاً كبيراً من فرنسا، وفي الخامس والعشرين من حزيران دخلت الهدنة حيز التنفيذ، واندلعت حركة المقاومة الفرنسية لطرد القوات النازية المحتلة ولتحرير فرنسا، بينما كانت حكومة فيشي تتعاون مع قوات الاحتلال.

وترأس ديغول حركة المقاومة وأذاع في الثامن عشر من حزيران 1940 نداء من لندن لمقاومة القوات الألمانية المحتلة، وكان واثقاً من أن النصر سيكون حليف الشعب الفرنسي وبقية شعوب العالم وأن الهزيمة والعار سيكونان من نصيب ألمانيا الهتلرية. وكان يعرف أن فرنسا لم تستخدم قوتها في المعركة وأن هناك فئات عملت على تشتيت قوة فرنسا وتحطيم الروح المعنوية فيها وأن لدى فرنسا بعد هزيمتها من القوة ما يكفي لأن تلعب دوراً في انتصار الدول الحليفة على جيوش هتلر.

ووجه ديغول نداءه المشهور في 18 ـ 6 ـ 1940 من لندن إلى جميع أفراد القوات المسلحة والمهندسين والاختصاصيين وجاء في النداء ما يلي:

«أنا، الجنرال ديغول المقيم حالياً في لندن، أدعو الضباط والجنود الفرنسيين الذين هم على أرض بريطانية.

بجميع أسلحتهم أو بدونها أدع المهندسين والعمال الاختصاصين في صناعات التسليح الذين هم على أرض بريطانية أو يأتوا إليها أن يتصلوا بي.

لا يجوز مهما جرى أن تنطفئ شعلة المقاومة الفرنسية، وهي لن تنطفئ».

ولقد اشتركت في حركة المقاومة الفرنسية فئات سياسية مختلفة وكان الطلبة وعمال السكك الحديدية من أبرز هذه الفئات.

وتزعم الجنرال ديغول المقاومة الفرنسية من لندن ثم من شمال إفريقيا وبعد ذلك من سورية ولبنان وكان ينظمها ويديرها من الداخل والخارج ولم يحصر مقاومته للعدو الألماني في الأراضي الفرنسية المحتلة، وكان الحلفاء الغربيون ينظمون إسقاط آلاف الأطنان من الأسلحة والذخائر والمتفجرات والأجهزة اللاسلكية والمؤن بالمظلات لمساعدة رجال المقاومة الفرنسيين.

ولقد اختلفت الآراء بالنسبة للدور الذي يجب أن تلعبه المقاومة الفرنسية، فلقد كان بعض العسكريين من قادة الحلفاء يرون بأنه يجب عليها ألا تقوم بأي دور عسكري وإنما القيام بجمع المعلومات للمخابرات العسكرية وتنفيذ بعض أعمال التخريب المحدودة.

وكان بعض السياسيين اليمينيين في فرنسا وخارجها يخشون من النتائج التي ستسفر عنها حركة المقاومة الفرنسية الشعبية.

وكان هناك اتجاه آخر يرى الاستعانة بالمقاومة الفرنسية ضمن خطط الحلفاء التي كانت تهدف إلى وضع فرنسا بعد تحريرها تحت إدارة مشتركة للحلفاء.

ولكن القوى الفرنسية الوطنية كانت تريد أن يقوم الشعب الفرنسي بتطهير وطنه من القوات المحتلة لتأكيد سيادته ودوره في تحرير وطنه والمحافظة على استقلاله.

ولقد وضعت المقاومة الفرنسية خطتان لتسهيل نزول القوات الحليفة في منطقة نورماندي بتاريخ 6 ـ 5ـ 1944 وتقضي الخطة الأولى المسماة بالخطة الخضراء القيام بأعمال تخريب مواصلات السكك الحديدية، ولقد تحققت الخطة بعرقلة وصول الكثير من الفرق الألمانية إلى جبهة القتال في نورماندي.

والخطة الثانية المسماة بخطة السلحفاة تضمنت تنظيم الإضرابات في العمل في الأراضي الفرنسية المحتلة وجمع المعلومات عن العدو وإقامة مراكز الاتصال اللاسلكي لتوجيه الطائرات الحليفة في غاراتها على القوات الألمانية.

ولقد قال الناقد العسكري العالمي ليدل هارت: «إن المقاومة الفرنسية ساهمت مساهمة فعالة في انتصار الحلفاء في فرنسا وغرب أوروبا».

المقاومة اليوغسلافية:

في الثامن من نيسان عام 1941 وجهت ألمانيا الهتلرية إنذاراً إلى حكومة يوغسلافيا تطلب فيه السماح للجيوش الألمانية باحتلال يوغسلافيا من أجل ضرورات الأمن ولكن رئيس وزراء يوغسلافيا رفض قبول الإنذار وبعد ذلك بساعات قليلة كانت الطائرات الألمانية تضرب المنازل الآهلة بالسكان المدنيين في مدينة بلغراد، وبلغ عدد ضحايا الغارات الألمانية ثلاثة آلاف قتيل وفي نفس الوقت بدأت القوات الألمانية باجتياح يوغسلافيا، فهرب ملك يوغسلافيا بطائرة خاصة حاملاً معه التغطية الذهبية للعملة اليوغسلافية واحتلت ألمانيا مناطق عديدة من يوغسلافيا.

وعلى أثر احتلال يوغسلافيا دعا قائد الشرطة رجاله إلى حمل السلاح في وجه القوات المحتلة، وأخذ اليوغسلاف بالانضمام إلى قوات المقاومة وكان من أبرزهم الضابط الملكي ميها لوفيتش. ودعا زعيم الحزب الشيوعي اليوغسلافي تيتو إلى مقاومة قوات الاحتلال وهكذا ظهرت في يوغسلافيا حركة مقاومة يمينية بقيادة ميها لوفيتش وتدين بالإخلاص للملك وأخرى يسارية بقيادة تيتو.

وبدأ رجال المقاومة اليوغسلافية ينزلون الخسائر الفادحة بالقوات الألمانية مما أزعج هتلر وأمر باتخاذ تدابير صارمة ووحشية لقمع المقاومة.

وعندما تركز تيتو في منطقة آمنة، دعا ميها لوفيتش للاجتماع به لتوحيد الجهود ضد العدو المشترك وتم الاجتماع وتعقدت المحادثات لأن ميها لوفيتش ملكياً ومخلصاً للملك في حين أن تيتو وجماعته يكرهون الملك ونظامه، وأخيراً اتفقا على توحيد القيادة العسكرية وبدأوا بمهاجمة قوات العدو في معسكراته وثكناته وأحرزوا عليه العديد من الانتصارات، واستطاعوا تحرير منطقة أوزس من القوات الألمانية ولكن ظهر الخلاف بين تيتو وميها لوفيتش وطالب تيتو أن يتولى الشيوعيون قيادة المقاومة ولكن ميها لوفيتش وجماعته رفضوا ذلك وأعلنوا إنهاء اتفاقهم مع تيتو.

ونشبت معارك طاحنة بين قوات تيتو والقوات الألمانية، ولكن مجرى المعارك بدأ يتحول لصالح قوات المقاومة عندما استطاع الحلفاء النزول في إيطاليا، فساد الذعر والارتباك أوساط القوات الإيطالية التي كانت موجودة في يوغسلافيا واستطاع تيتو تسليح 80 ألف مقاوم من الأسلحة الإيطالية. وظلت القوات اليوغسلافية تنتقل من نصر إلى آخر إلى أن تم تحرير يوغسلافيا وتطهيرها من القوات الألمانية بالاشتراك مع الجيش السوفييتي.

لقد أثبتت حركات المقاومة وحروب التحرير إبان الحرب العالمية الثانية وبعدها أن مقاومة المعتدي والمحتل ليست مستحيلة مهما كان يملك من قوات عسكرية وأسلحة حديثة ومستوى تكنولوجي رفيع وأثبتت بأن المواطنين الذين يقفون بصلابة ضد القوات المحتلة لا يخافون شيئاً، وسيلاقون جزاء ما يفعلون، بخلاف القوات التي تتعاون مع المحتل فهي تشعر بالخوف دائماً لأنها ابتعدت عن قضية وطنها وشعبها وتلاقي مثل هذه الفئات ما  تستحقه من العقاب عندما يتم تحرير الوطن من العدو المحتل، كما أثبتت أن النصر دائماً وأبداً للشعوب المناضلة مهما بلغت قوة المحتل وقسوته.






شاهد ايضا

0 Comments


اضافة تعليق