أطفال >

شمس المستقبل






بقلم : الكاتب و السينارست والمُعد المصري  " وائل مصباح "


إن الطفل مادة المستقبل وبقدر ما كان نموهم وترعرعهم وتربيتهم سليمة بقدر ما كان مستقبل الأمة مشرقا ومشرفا،فسلوكنا مع أطفالنا وطريقة معاملتهم هما اللذان يحددان مستقبلهم،فكلما كان سلوكنا مع الطفل صحيحا نشأ الطفل سليما من غير عقد نفسية،يثق في نفسه وفي قدراته ويثق فيمن حوله وكان إيجابيا في تعامله مع مجتمعه،ولهذا يجب أن يحظى بقدر كبير من الرعاية والاهتمام،لن نكون بديلا عن والديه،وإنما نكون معا علامة يساوي،نواصل الأيام معا حتى يصبح أطفالنا جيل الغد،بناة الأمة ومصدر القوة والمنعة فيها،فلقد قابلت فتيات وفتيانا صغارا موهوبين ولكنّهم انتهوا إلى أفراد عاديين،لم يجدوا أي نوع من الرّعاية،لأن المجتمع العربي_عامة _ ليس عنده استعداد ليربي المواهب ويقوّيها،فيجب على الوالدان أن يراقبا طفلهم ويدققان في قدراته ثم بعدئذ يقدمان كل إمكانياتهما لدعم تلك القدرات،فمن المؤسف أنّ مكافحة الأسرة لمواهب الطّفل والنّاشئ يتمّ – في الغالب- عن حُسن نيّة أبويّة،إذ يتصوّر الآباء والأمّهات أنّهم بهذا ينقذون مستقبله ممّا يظنّونه انجرافًا نحو هاوية الضّياع، دون أن يفطنوا إلى أنّهم بسلوكهم هذا يدفعون به دفعًا إلى هاوية الضّياع بمعاندتهم الموهبة التي فطره الله عليها وخلقه للعمل بها،وهي نتيجة حتميّة لقصور الثّقافة التّربويّة لدى الأبوين،الأمر الذي يقع ذنبه على عاتق البيئة الاجتماعيّة المُحيطة وأثرها على تكوين تلك الأسرة منذ لحظة اتّحاد الطّرفين الأوّلين فيها أوّلا،ثمّ نتيجة لنموذجين من نماذج الأنانيّة ثانيًا،أحدهما نموذج رغبة الآباء في أن يقتصر نموّ الأبناء الجسديّ والوجدانيّ والمستقبليّ على تخطيطهم وتحت سيطرتهم وتسلّطهم الذي قد يبلغ حدود التطفّل أحيانًا_وهذ ما يطلق عليه الرّغبة في الشّعور بالأهميّة_ أي أن مقدرة الابن على تحقيق إنجاز كامل مُنفرد دون أن يكون للآباء يدًا واضحة فيه تُرجع المعروف كاملا في صناعة كلّ حياة أبنائهم إليهم يمسّ أمانهمّ النّفسيّ ويخدش شعورهم المطلق بالتملّك،وثانيهما نموذج أنانيّة الرّغبة في أن يحمل الأبناء عبء تحقيق طموحات الآباء_التي تسبب الأهل والظّروف من قبل في حرمانهم منها_ بدلا من السّعي لبناء طموحاتهم الخاصّة على أرض الواقع،فالأسرة العربية تواجه الموهبة بالإهمال أو اللامُبالاة أثناء فترة الطّفولة،ثمّ تنمو تلك اللامُبالاة لتحاصر تلك الموهبة بشتّى الوسائل لاغتيالها قبل بدايات الشّباب،وحياة غالبيّة مبدعينا في مختلف المجالات خير دليل على هذا.

أمّا المدرسة_ عملت لعدة سنوات مدرسا في عددا من المدارس الحكومية والخاصة _ فهي أكبر مؤسسة لمُكافحة مواهب الصّغار في أوطاننا العربيّة،لأنّ أكثر المعلّمين والمعلّمات هم أشدّ جهلا وكسلا وتخلّفًا حتّى من بعض التلاميذ والتّلميذات.

يقول الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم:"ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه"،وهذه يعنى أن الطفل عندما يأتي إلى هذا العالم يكون خامة مهيأة للتشكيل،

والمؤثر الأول الذي يعمل على تشكيله الوالدان،وفى أغلب الأحيان يخرج الطفل مشابها أباه وأمه في طباعهم وأخلاقهم "من شابه أباه فما ظلم".

إن النفس الإنسانية تمتلك نوعين من الغرائز ألاوهما:الغرائز المادية والغرائز المعنوية، فالأولى هي التي تدفع الإنسان نحو تناول الطعام وشرب الماء والهروب من الأخطار وما شابهها،والثانية هي التي تدفعه نحو طلب العلم،وحُبّ الخير،والتضحية والإيثار،وإلى كل النشاطات التي تميزه عن الحيوان،ولهذا يجب أن نركز على جملة أساليب تنمية الغرائز المعنوية عند الأطفال،لينتفع منها كل من يود أن يربيَ أطفاله _ من وجهةِ نظرٍ إسلامية_ التربية التي تجعلهم في المستقبل قادرين على مواجهة كل ما يعترض سيرهم نحو التقدم والتكامل والرقي.

وبعد ما تقدم يكون المقصود بتربية الطفل هو إنماء الغرائز المعنوية والاهتمام باعتدال الغرائز المادية.

فلقد جاء في الحديث الشريف:( قلب الحدث كالأرض الخالية،ما أُلقي فيها من شيء قبلته) بمعنى أن نفسية الطفل كالأرض الخالية التي تنبت ما أُلقي فيها من خير أو شر.

وفي حديث آخر:( بادروا "أحداثَكم " بالحديث قبل أن تسبقَكم إليه المرجئة) بمعنى ضرورة الإسراع في إلقاء مفاهيم الخير في النُّفُوس الخَصبة قبل أن يسبقنا إليه المجتمع ليَزرَع فيها أفكاراً أو مفاهيم خاطئة

وتبقى التربية في الصِغَر عاملاً مؤثراً على سلوك الفرد وليس حتمياً،بمعنى أن الفرد حين يكبر بإمكانه أن يعدِّلَ سلوكه وفكره فيما لو تلقى تربية خاطئة في صِغَرِهِ،ولهذا تلزم الشريعة الإسلامية  الوالدينِ بأنواع من أساليب التعامل،وهذه الأساليب مُوَزَّعَةً على مراحل ثلاث من حياة الأبناء،وينبغي للوالدين معرفة حاجات الأبناء في كل مرحلة،وهذه المراحل هي:
المرحلة الأولى:

إن الطفل في المرحلة الأولى من عمره ( من 1 إلى 7 سنين ) يحتاج إلى الحُبِّ والحنان لتنمية قدراته النفسية،كما يحتاج إلى الطعام والماء لتنمية قدراته الجسدية،فهي حَجَرُ الأساس في النجاح في الممارسات اليومية،فعن النبي _صلى الله عليه وآله_ أنه قال:"أحِبُّوا الصِبيان وارحَمُوهُم" وورد أنه جاء رجلٌ إلى النبي ( صلى الله عليه وآله ) فقال ما قبّلت صبياً قَطٌّ،فلما وَلَّى قال  صلى الله عليه وسلم:

( هذا رجل عندنا إنه من أهل النار )ومن أبرز مظاهر إظهار المحبة للأولاد هو إدخال الفرح والسرور على قلوبهم من خلال حمل الهدايا لهم والتوسعة عليهم،وورد عنه ( صلى الله عليه وآله ) ( ليس منا من وُسِّع عليه ثم قَتَّر على عياله)،فنفسية الطفل تكون بيد والديه كالأرض الخصبة بيد الفلاح تَتَلَقَّفُ كلَّ ما يَبذُرُ فيها من خيرٍ أو شرٍّ.

المرحلة الثانية:وهي تشمل السبع سنين الثانية من العمر،وفي هذه المرحلة يَجدُرُ بالوالدين الإصغاء

لطفلهم حينما يتحدث،وأَخذُ مشورته في القضايا العائدة إليه،واحترامُ رأيه حين يختار،وإعطاءه حرية ارتداء ما يعجبه من الملابس واختيار ألوانها،مع إشعاره بأنه يحتلُّ في قلوبهم مكاناً مهماً سواء كان ذكراً أو أنثى،ذكياً أو بليداً،جميلاً أو قبيحاً .
المرحلة الثالثة :وتكون في الرابعةِ عشر من العمر فما بعد،وفيها يصبح الأبناء في المستوى الذي يُؤَهِّلُهُم لاتخاذ المكانة المرموقة في الأسرة،فالولد "ذكرٍ أو أنثى"في هذه المرحلة بمثابة وزيرٌ لوالديه و مستشارٌ لهما،ففي قصة سيدنا إبراهيم _عليه السلام _  نجد أنه عندما جاءه الأمر الإلهي في ذبح ولده إسماعيل قد استشار ولده في ذلك قائلاً:"يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى" الصافات 102.
فمن المؤسف أن نَجِدَ بعض الآباء لا يهتمون بأبنائهم،فنجدهم – على سبيل المثال – يتجاهلونهم في مَحضَرِ الضيوف،فلا يُقدِّمون لهم الطعام ولا يمنحونهم فرصة الحديث في المجلس،بل وقد يحجرون على تصرفاتهم،وغير ذلك .

وبالإضافة لما سبق،يجب على الوالدين التقيد بما يلي:

1- الرعاية والإهتمام من الوالدين_الغير مبالغ فيهما_والشعور بالمسئولية وتلبية حاجات الطفل الأساسية كالغذاء السليم،الملبس النظيف،التعليم الجيد والرعاية الصحية ومتابعته.
2- إعطاء الطفل الفرصة للقيام بالأعمال الناجحة والتشجيع المستمر وإشعاره بسعادتنا لنجاحه بالقيام بها،ولنحذر من تكليفه بمهام صعبة تفوق عمره العقلي والزمني،و إلا شعر بالعجز وفقد الثقة في نفسه.
3- مراعاة حالة الطفل النفسية وشعوره،كالقلق،عدم التكيف،والشعور بالعجز،ومحاولة علاج ذلك بالتهدئة وزرع الثقة في نفوسهم وإشعارهم بالحب والحنان والرعاية،و إلا سوف تتحول إلى مشكلات نفسية تؤثر على سلوك الطفل كأن يصبح عدوانيا أو منطويا .
4- البحث عن نقاط القوة في الطفل وتعزيزها وتشجيعها وتنميتها،وإرشاده إلى نقاط الضعف وكيفية التغلب عليها كالغضب السريع والخجل .
5- الاهتمام بهوايات الطفل وأنشطته وميوله وتوجيهها وتشجيعها كالقراءة والكتابة وممارسة الرياضة بأنواعها.

وسنتطرق في المقالة القادمة_بإذن الله_لكيفية غرس حب القرآن في نفس الطفل وهو ما زال جنينا، والله الموفق ومنه نستمد العون والسداد .

وائل مصباح عبد المحسن

[email protected]

 






شاهد ايضا

0 Comments


اضافة تعليق