مقالات الكتاب >

تناقضنا النفسي تجاه مصائب أمريكا

بقلم أحمد أبو رتيمة




ماذا تقولون في رجل يمد يداً إلى غني يتسول بها وهو لا يستطيع أن يعيش إلا بصدقات ذلك الغني ومع ذلك يرفع يده الأخرى نحو السماء يدعو على هذا الغني بالهلاك والدمار..

ألا يدل هذا السلوك على تناقض نفسي؟؟

هذا هو حال فريق من المسلمين في تعاملهم مع أمريكا فهم يتنعمون بالتكنولوجيا الأمريكية في كافة مجال حياتهم ثم إذا حل مصاب بأمريكا يلحون في الدعاء عليها بالهلاك..

الأغرب من ذلك أنهم يكتبون هذه الدعوات باستعمال الأجهزة التي تصنعها أمريكا فالحاسوب أمريكي والفيس بوك أمريكي والغوغل أمريكي والانترنت أمريكي والآي باد أمريكي وهذه هي الأدوات المستعملة في الدعاء على أمريكا!!!

ليس عندي من مشكلة في الدعاء على أمريكا الظالمة الباغية في الأرض بغير الحق ولكني ألفت الأنظار إلى عمق مأساتنا الحضارية، فإذا كانت أمريكا بكل هذا الشر فلماذا فشلنا حتى الآن في الاستغناء النفسي والحضاري عنها..

التعامل مع أمريكا لا يصح بمنطق الثنائيات الصارمة فهي ليست شراً مطلقاً فنشيطنه، وليست خيراً مطلقاً بالتأكيد فننبهر به..

في أمريكا جانب الحضارة الإنسانية والصناعة والعلم والعلماء ومختبرات البحث العلمي التي تخدم البشرية فهذا ما ينبغي أن نستميت في الدفاع عنه لأنه مكتسب للبشرية كلها..

وفي أمريكا في المقابل جانب الاستكبار والعلو والإفساد في الأرض فهذا ما نعاديه ونحاربه..

أما الدعاء على أمريكا جملةً واحدةً بمترفيها ومستضعفيها بطالحها وصالحها فهذا ليس من أخلاق الدين في شيء..

لقد كان النبي محمد صلى الله عليه وسلم مشبعاً بالرحمة حتى وصفه القرآن بأنه رحمة للعالمين-وليس للمسلمين وحدهم- وقد بلغ من رحمته أنه كان إذا مرت به جنازة كافر بكى وقال فلتت مني نفس إلى النار..

كان النبي صلى الله عليه وسلم يتضرع إلى ربه أن يهدي قومه لا أن ينتقم منهم مع ما لاقاه منهم من أذى..

وليس الدعاء وحده بل كان النبي محمد صلى الله عليه وسلم يبذل أقصى جهده ووسعه في تبليغ رسالة الحق لقومه فهذه هي وظيفته التي كلفه بها القرآن "وما على الرسول إلا البلاغ المبين"، فهل قمنا بواجب البلاغ المبين تجاه أمريكا وغيرها واستنفدنا كل محاولاتنا في هدايتهم للحق والعدل والرحمة حتى لم يبق في جعبتنا سوى الدعاء عليهم أم أننا على النقيض من ذلك قدمنا صورةً مشوهةً عن ديننا فكنا منفرين لا مبشرين..

لقد دعا نوح على قومه بعد أن لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً واستنفد كل محاولات هدايتهم وأيقن أن مجتمعه وصل إلى حالة الاستعصاء التاريخي بحيث لا يؤمن منهم إلا من قد آمن..

وحين دعا نوح والأنبياء على أقوامهم كانوا في حالة استغناء نفسي كامل عن هذه الأقوام، لا كمثلنا ندعو عليهم وكل مأكلنا ومشربنا وملبسنا وحضارتنا من صنع أيديهم..

لقد كانت تلك الأقوام تجسد حالةً نموذجيةً من الظلم والاستكبار فأهلكها الله، لكن حالة أمريكا معقدة لأنها خليط من الحضارة النافعة والامبراطورية الباغية وإذا كانت نظرتنا إلى أمريكا أنها تمثل الشر والعلو والاستكبار في الأرض فعلينا أن نجتهد في الاكتفاء الذاتي بأنفسنا وفي تقديم بديل حضاري أكثر إنسانيةً وأخلاقاً حينها ربما يكون دعاءنا متفهماً..

والله المستعان..








شاهد ايضا

0 Comments


اضافة تعليق