قصة >

في غزة يختلط الدم بالدمع، والحليب بالحليب



بقلم :  ريم تلحمي

 

 في العام 1998، كانت زيارتي الأخيرة ... كنت قد غادرت القدس متوجهة إلى إيرز، تاركة ورائي إبنتي منى ذات العامين ونصف ومريم الرضيعة ذات الستة أشهر تقريبا ...

 

ينتابني شعور غريبٌ ينتاب الأمهات غالبا عند الإنفصال عن أطفالهن ... لكنّ واجبا آخر يناديني ..

 

لا ضير من سويعاتٍ واجبِ أحسُّه وطنياً بالدرجة الأولى، أقضيه ومن ثم أقفلُ راجعة !!! إذن إلى غزة

 

أتوق إلى دخولها كل مرة ... واشتاق إليها دائما

 

ففيها يختلط الدم بالدم، والدمع بالغبار، والغبار برمل البحر ... أتوق إلى بحر غزة

 

دائما على عجلة من أمري أنا ... ليت إيقاعي أبطأ قليلا لكي أستمتع بما أفعله وما أشاهده، حتى الثمالة ... لكنني وعلى الرغم من ذلك، أصل متأخرة 5 دقائق عن موعد الإفطار ويصدُّ بابٌ في وجهي

 

...

 

لقد بدأ الإفطار ولا مجال لفتح الباب لإستقبال ضيف آخر !! يتلقفني شاب طويل ويجلسني في غرفة منفية في أبعد مكان في الأسفل من البناء، يجلس فيها شاب آخر أشعث الشعر أسمر الوجه، إختار أن يبدأ فطوره بسيجارة ينفث دخانها في وجهي ، وكأس من القهوة يرتشف منها رشفات طويلة لا دخل لها بالذوق والأدب ... يتأملني ولا يشيح بنظره ... ولا يصدق حين أخبره من أنا وسبب وجودي هنا ... لا يهمه أصلا

 

أشعر بالغضب الشديد يصحبه حزن أشدّ ... وألم خفيف في صدري

 

أحاول طمأنتي بأنه لا بد أن يفتحوا الباب بعد قليل لإدخالي !!! إذ أنني لست إلا مشاركة شرعية (ربما لا أكون الوحيدة بالتأكيد، لكنني ...) في إحتفال إفتتاحية الفضائية الفلسطينية وإطلاقها ... وأنني لم أتأخر سوى 5 دقائق لا غير ....

 

أتأمل الغرفة ... تبدو كغرف التحقيق وربما تكون واحدة

 

يطول إنتظاري

 

لم أقابل أيا من أصدقائي في غزة اليوم ... يبدو أنني لن أقابل منهم أحدا الليلة

 

ليتني إتصلت بأحد منهم ....

 

يرهقني التفكير بالضيوف العرب والأجانب والفلسطينيين القابعين هناك, فوقي تماما, في القاعة الكبيرة، حيث يشاركون الرئيس وجبة الإفطار ... لا أفكر بالطعام , لكنني أفكر بي .... لو أن أبا عمار يعرف كيف تمّ إستقبال أحد ضيوفه بأن نفوه وزجّوه في الغرفة القبو تلك , فقط للدواعي الأمنية الشديدة والخطيرة ... لم أتمالك نفسي ... أحسست أنني في غرفة تحقيق إسرائيلية ... عزّت عليّ نفسي

 

عزّ علي نداء مريم لي عبر شحنات الألم الخفيفة في صدري

 

يجب أن أعود إلى القدس ... هذه ليست غزة

 

لست في غزة ... ربما في تونس لكنني حتما لست في غزة

 

 

أتذكر الختيار في تونس ... العام 1992، ما زال طعم البطيخ يداعب لساني ... واليد الكريمة الراجفة التي تناولت شوكة وغرزتها في شرحة حمراء قانية وناولتني إياها .. أذكر الدموع الساخنة التي نزّت مني وأنا أراقب هذاالرجل الكريم وسجلّ حافل من التاريخ يجلسُ بجانبي تماما، محاولة تمالك نفسي وإسكات صمت شهقات دموعي , بينما هو يلتفت إلي لتهدئتي : بس يا ريم ... إنت حتخليني أبكي ولا إيه ؟؟

 

إنت فين يا أبو عمّار ؟؟؟ إنت حتخليني أبكي ولا إيه !!؟؟؟

 

 

يمر الوقت بطيئا وأنا لا أزال قابعة على كرسي في تلك الغرفة، ممنوعة حتى من إستعمال الحمام

 

يشتدّ غضبي ويطفح حزني .... وأهبّ واقفة في اللحظة التي تفتح فيها الأبواب الملكية ويخرج الضيوف وأسمع ضجيجهم وقهقهاتهم ... أنظر إلى الحارس الأشعث نظرة طويلة، لن يفهمها إلى الأبد، وأخرج من الغرفة ... لا أقوى على رؤية أي أحد ... لا أريد النظر في الوجوه الفرحة الممتلئة ببقايا طعام .... ولن يقوى صوتي على الغناء أيضا

 

عليّ أن أعود أدراجي إلى القدس

 

لا مكان لي في هذا المكان

 

ينلقفني شاعر فلسطيني هرم من الشمال، متفاجيء من رؤيتي، يثرثر شيئا لا أذكره فأتصنع الغياب ... تزعجني إبتسامته ... لا أقوى على المجاملة ... أهرب إلى الخارج وأطلب سيارة لتقلني إلى حاجز إيرز ومن ثم إلى القدس

 

في السيارة أقرر البقاء في غزة ... وأتوجه مباشرة إلى مكان العرض

 

لم يتركني الحزن الشديد لحظة ... ولم أقدّر حجم المفاجآت الليلة ... ولم أتنازل عن سبب وجودي هنا ... لذلك نويت إتمام واجبي الذي من أجله جئت ... ألست فنانة ملتزمة كما يقولون !!!؟؟؟ أولم أترك البنات اليوم من أجل هدف سام ، لم أتخيّل حجم سموّه يوما ,قبل هذا اليوم !!!؟؟؟

 

 

هنا وهناك يتراكض الفنانون الملتزمون واحدا تلو الآخر، في القاعة الرسمية التي منها ستبدأ الفضائية بثها الشرعي والوحيد !!! مغن يهيء صوته من خلال تمارين لم أسمع بها من قبل ... مغنية مشهورة تطلب أن تكون ضمن الفقرات الأولى لأن صوتها يتعب من رطوبة الليل ... مغن عربي نجم مختف عن الأنظار حتى لا تتآذى نجوميته من اللمسات الآدمية ... مذيع وسيم يتفقد بدلته وسماعة الأذن حتى لا يفقد الإتصال ... فرقة موسيقية من الشمال تستعد مدوزنة أوتارها وأصواتها بعد أن إنتهت للتو من إحياء حفلة في إسرائيل وفرق أخرى صغيرة وغلبانة معظمها من غزة نفسها، تتوه في غوغاء المكان والنجوم، أتعاطف معهم وأحس بهم

 

أرقب كل هذا وأنا صامتة هادئة، ربما للمرة الأولى اليوم ... وأصبر

 

ربما سيحين الوقت الذي سأقوم فيه بإجراء فحص الصوت والتأكد من أن كل شيء سيسير على ما يرام ... لكن الحشد الغفير لا يتيح ذلك وأتوه ثانية ... لا مكان للمهنية الآن

 

يبدأ الحفل وتتوالى الفقرات ... أنتظر إعلان إسمي، لكنه لا يأتي

 

أصبر قليلا لكن لا شيء يحدث ...

 

سينتهي الحفل بعد لحظات وسيعلنون عن إسم النجم العربي بعد فقرة أو إثنتين ... أحدّث نفسي بأن لا مجال للغناء، لأي كان، بعد ظهور النجم وتألقه ... يبدأ الغضب بالظهور ثانية لكنني أكز على أسناني ... هل هناك مجال للأدب واللباقة هنا ؟؟؟ لماذا أحس بأنني في غرفة التحقيق الإسرائيلية مرة أخرى ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

 

لو كنت هناك لما تأدبت ... لكنت في قمة فلسطينيتي وفي قمة عنفواني !!! لكنني هنا... بين أهلي وأحبتي ...

 

تباً ...

 

بين ميمعة الفنانين وإبتساماتهم، وزهو المذيع وأناقته، وإختفاء النجم وجبنه، وأحاديث العازفين وضجيجهم, وتتويج فيفي عبدو نجمة مصر الأولى أمام يسرا ومديحة يسري، أتوووووووووه .... أين أنت أيها الجلاد الإسرائيلي؟؟؟؟ من فضلك اقتلني ... خلّصني

 

أمشي سريعا إلى منصة المذيع ... أقف خلفه ... أمسكه من كتفه وأديره إلي ... ينظر إلي مبتسما ... لا مجال لإعادة الإبتسامة إليه ... أنظر في عينيه مباشرة ... أُنْظُرْ إليّ واقرأْ ما سأقول ... إن لم تعلن عن إسمي خلال دقائق، سأفضح مهنيتكم وسأفضح أدبكم وسأكتب عن ذلك وأعلنه عبر الصحف وأَخْبر صديقَك في السماعة، مخرج هذا الحفل ما قلت، وليكن ما يكون ... أختفي مسرعة من هول ما نطقتُ وحمرة قانية تعتلي وجهي

 

قد عاد الألم الخفيف في صدري ثانية ... أحس بحر شديد وأتصبب عرقا

 

يعلنون عن إسمي لكنني لا أقوى على الغناء ... كيف سأغني ؟؟ قطرات العرق تهطل وتُغرق جسدي حرارة

 

 

يا غزة يا مسوّرة بولاد مثل الضي

 

ترمي الهزيمة ورا والخي يشدّ الخي

 

 

فردلو جنحانو وشاف

 

أحلى كلام أحلى كلام

 

 

وانقُش ع خدّ القدس

 

كفّ الصبي اللي إنولد

 

بين الأصابع وتد

 

حدّد علامات الوطن

 

غيّر دواليب الزمن

 

 

أخرج في ساعة متأخرة جدا من إيرز غزة

 

لا أجد سيارة تقلني إلى القدس

 

أنتظر ساعة في الخارج وحيدة

 

يؤلمني صدري

 

أهرول مسرعة إلى ضوء كل سيارة ألمحها تقترب

 

أجد ضالتي في سيارة وحيدة ، يوافق سائقها على السفر بي إلى القدس

 

أدخل السيارة ، ملامح السائق شرقية، لكنه إسرائيلي يسكن عسقلان / أشكلون

 

أفكّر : نهاية حتمية لليلة كهذه

 

أشعر بضيق في صدري وبحرارة شديدة

 

يصل بي السائق إلى رأس العامود في القدس ويعتذر لي بأدب شديد ، بأنه لن يستطيع القيادة في جوف المنطقة العربية أكثر، وأنه ينوي الرجوع إلى بيته سالما ... إنها الثالثة بعد منتصف الليل ... لا تستطيع تركي هنا !!! يحاول طمأنتي بأنه لن يتركني هنا في الشارع إلا بعد أن يجد لي سيارة أخرى ... أبتسم بحزن شديد

 

ويعاودني الخدر الخفيف في صدري

 

يتوقف فورد أبيض في الجهة المقابلة ويلف سائقه إلى جهتنا بعد إشارة من السائق الإسرائيلي

 

أنتقل إلى الفورد ولا أنسى تقديم الشكر للسائق الإسرائيلي الذي يسكن عسقلان

 

 

يمطرني السائق الفلسطيني بوابل من الأسئلة ... أحاول الشرح قليلا لكنني تعبة جدا

 

الألم الخفيف في صدري تزداد خفّته ... وأكاد أموت حرا وعطشا

 

أدخل البيت ودموعي تهطل دون بكاء

 

لا أحيّي أحدا

 

أسمع صوت مريم الباكية من الخارج ... لا أقوى على الوقوف

 

ألم الصدر يشتدّ .. أدخل باكية نحو الصوت الباكي

 

أخلع معطفي وأهمّ بخلع جاكيتي ... كل شيء ثقيل

 

أتوجه إلى سرير الصغيرة الباكية وأرفعها ... أمطرها بزخّات من قبل جفّت طوال اليوم وأبكي معها

 

الألم الخفيف في الصدر يعتصرني

 

أضعها على حجري قليلا كي أرفع ثيابي لأرضعها ...

 

إلهي ...

 

إلهي

 

يعتصرني المشهد ويهزني هزا

 

كل هذا الحليب

 

أجدني غارقة في بحر من الحليب ... أتفقد نفسي جيدا ... نعم إنه بحر !!؟؟؟

 

قد وصل حليبي إلى بنطالي وقد غرقت كل ملابسي ممتلئة به

 

هذا الحر الشديد .. وهذا الألم الخفيف .. وتلك الرعشات الباردة .. وذاك العرق ..

 

ألقّف طفلتي صدري لتلتهمه إلتهام جوع أبديّ وأغرق أنا في بكاء صامت لن أقوى الحديث عنه

 

غزة ...

 

بيننا دم ودموع .... وحليب

 

 








شاهد ايضا

0 Comments


اضافة تعليق