الجلد الذاتي..ظاهرة منفّرة!

بقلم د. رفيق حاج


عندما تدعي بأنك "قليل الشأن" فلن تجد من يخاصمك أو يجادلك أو يقف متصدياً لما تدّعيه. عندما يعتاد الإنسان على الشعور بالنقص والدونية ويعوّد نفسه على الهوان والتحقير الذاتي ينتقل من بعدها الى درجات اعلى من الحطّ من قدره والتوغّل في جلد ذاته حيث يسمح للآخرين ان يقوموا بذلك على مبدأ "وما ضرّ الشاه سلخها بعد ذبحها..".

الجلد الذاتي هو احدى السلوكيات الهدّامة والخطيرة التي قد يتبنّاها الفرد او المجموعه او الشعب او العرق وهو يجرُّ صاحبه الى الغوص في مستنقع اليأس وخيبة الأمل ومن ثمّ الى "التفاخر" بقلة الشأن وصغر الحجم ووضاعة القدرات. على ما يبدو ان هذا النوع من السلوك, بالرغم من كلّ  أضراره ومساوئه, يجلب لمتبنيه بعض الراحة والاسترخاء ومن ثم الاستسلام والخنوع المطلق. فعندما يقوم الفرد بجلد ذاته مصغّرا ومحقّراّ ما صنع وما فعل, فلن يجدا احدا يعترضه على ذلك  فهذا "شأنه مع نفسه". وقد تكون هذه "الإهانات"  اقلّ مضاضة بدرجات لو اتت من شخص آخر.  عندما تتهم نفسك بالقصور فلن تجد من يخاصمك أو يجادلك أو يقف متصدياً لما تدّعيه. عندما يعتاد الإنسان على الهوان ويعوّد نفسه على الذل ينتقل من بعدها الى درجات اعلى من الحطّ من قدره حيث يسمح للآخرين ان يقوموا بذلك على مبدأ "وما ضرّ الشاه سلخها بعد ذبحها..". الجلد الذاتي على نطاق الفرد فيه ضرر للشخص وللشخصية التي هي مقوم أساسي من مقومات العائلة ومن ثم القبيلة والشعب أو الأمة أو الديانة أو القومية .ان الجلد الذاتي على المستوى الفردي ليس ليست القضية التي اودّ ان اسلّط عليها الضوء في هذه المقالة القصيره وانّما الجلد الذاتي العام الذي يخصّ شعبنا العربي قاطبة والأقلية العربيه في اسرائيل تحديداً. طبعا وللأسف, لم اقم باجراء بحث شامل في الوسط العربي لتقصّي مدى استفحال هذه الظاهرة لكن هنالك بعض الظواهر التي لا حاجه لاثباتها من خلال الابحاث الرسميه لانها واضحة لكل شاهد عيان فهي تربض في كلّ ركن وزاويه. انني لألمسُ قدراّ كبيرا من الجلد الذاتي عندما اتحدّث مع الآخرين عن انجازات وقدرات شعبنا العربي ومناقشة اسباب تقوقعه وضعفه مقارنته بباقي الشعوب, حيث تنهال عليّ زخّات من عبارات التهكّم والتصغير والمذمّه لهذا الشعب. على سبيل المثال لا الحصر:  "نحن شعب لا يتقبّل الديموقراطيه", "زعماؤنا جبناء ومتعاونون", "رؤساء السلطات المحلية عاجزون..وفاسدون", "نحن شعب لا يحترم الوقت والنظام", "الشعب العربي خامل ولن يستفيق من سباته..", "اعضاؤنا في البرلمان لا يهمّهم  غير كراسيهم..." وغيرها وغيرها. وهنا اريد ان اقول لهؤلاك بان الظروف الصعبه التي نعيشها الناتجه عن السياسة المحليه والعالمية المحاكة ضدّنا هي المسبّب الرئيسي لموقفنا تجاه شعبنا, ولا علاقه لذلك بقدراتنا وطاقاتنا او ميّزاتنا الفرديه او الجماعيه.  كلّ واحد منّا يُدرك تماماً الدور الكبير والشأن العظيم الذي كان للشعب العربي في صنع التاريخ وصقل المعرفه ونشر العلوم والقوانين والنظريات في جميع المجالات, وما ساهم به الخوارزمي وابن سينا والرازي وابن الهيثم وعلماء عرب آخرون (زورا هذا الموقع وتأكّدوا ممّا اقوله: http://muslimscience.8m.com/main.htm).  كلّ فرد منا يعي عظمة اللغه العربية وجمالية الشعر العربي وروعة الأدب العربي. كلنا درسنا التاريخ وقرأنا عن البطولات العربيه والفتوحات الاسلاميه ووصولنا الصين واسبانيا وفرنسا. كلنا ندرك الخصال العربية الحميده كالضيافة والكرم والشجاعه والشهامه.. "فلماذا نقوم بجلدِ انفسنا صباحاّ ومساء..؟!!". من يملك هذا الريع العظيم من المساهمة في صنع التاريخ ونقل البشرية من الظلمات الى النور هل يُعقل ان يظهر دائما بمظهر المهزوم او الذليل؟ وهنا قد يثور البعض ممن احترفوا الجلد الذاتي قائلين بأن كل هذه الانتصارات تخصُّ الماضي البعيد.. لكن التاريخ اعاد نفسه  اكثر من مرة.. فلا قوة تستديم للأبد ..وديناميكية الحياة ترفع وتحطّ من مقامات الشعوب بشكل دوري متعاقب. لا حاجة للاستسلام والخنوع لانّ النصر آتٍ لمن يسعى جاهدا للحصول عليه. ينبغي اولاً ان نقتلع جذور الجلد الذات من بين ظهرانينا ونعظّم ثقتنا بانفسنا. في هذه السياق يجب أن نُعمل جاهدين من اجل محاسبة أنفسنا على هذه السلوكيات ونحاول اقتلاعها ونزرع بدلها بذور التقدير الذاتي وان نتبنى مبدأ التغذية المرتدة وان ندرّب أنفسنا على المواجهة والاعتراف بالخطأ, ولا ضير في ذلك لأن الاعتراف به فضيلة.  يجب أن نتعلم كيف كيف نُقدّر أنفسنا ومن ثم كيف نقدّر الآخرين الى ان نتخلص بالتدريج من سلوكيات التبرير والعجز والكسل وانخفاض القيمة الذاتية. يجب أن نتبنى روح العطاء والكلمة الطيبة وان نعتز بما هو لنا.

 




شاهد ايضا

0 Comments


اضافة تعليق