دين وقضايا >

الـحَـَسْـد تعريفه والعلاج منه



الواقع - خيري منصور

 

الـحَـَسْـد
إن الحسد إذا تمكن من نفس صاحبه أفسد عليه أخلاقه، وسهَّل عليه الكذب والغيبة والنميمة والوشاية بين الناس والسعي إلى الإفساد، فهو سبب كل قطيعة وأصل كل شر، فالحسد داء عضال ابتلي به كثير من الناس اليوم، وهو مرض خبيث من أمراض القلوب .
وأول من وقع في قلبه الحسد إبليس – عليه لعنة الله – فقد حسد آدم – عليه السلام – لأن الله اجتباه بالخلافة، وأمر الملائكة أن تسجد له، عند ذلك اضطرمت واشتعلت ن...ار الحقد والحسد في أحشاء إبليس فتكبر عن أمر الله كما قال ربنا:
{ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدم فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ } ( البقرة: 34 )
وكانت النتيجة أن طرده الله من الجنة، كما قال تعالى:
{ قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ{12} قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ{13} قَالَ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ{14} قَالَ إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ{15} قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ {16} ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ } ( الأعراف 17:12 )
وقول إبليس – لعنه الله –:{وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ } أي أنه توعد بأن يجعلهم من الحاسدين .
وبالفعل بدأ في تأجيج نار الحقد والحسد بين بنى البشر، وكانت أول جريمة وقعت على وجه الأرض سببها الحسد، فقد قتل قابيل هابيل، كما أخبر بذلك رب العالمين:{ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدم بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} ( المائدة: 27 )
وظل الحسد ينتقل من جيل إلى جيل حتى وصل إلينا
فقد أخرج الإمام أحمد والترمذي وأبو داود عن الزبير بن العوام قال:
قال رسول الله : " دب إليكم داء الأمم قبلكم الحسد والبغضاء، والبغضاء هي الحالقة، حالقة الدين لا حالقة الشعر، والذي نفس محمد بيده لا تؤمنوا حتى تحابوا، أفلا أنبئكم بشيء إذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السلام بينكم "
( صحيح الترمذي 2038، صحيح الجامع 3361 )
تعريف الحسد :
ومعنى الحسد كما جاء في النهاية لابن الأثير (1/383):
هو أن يرى الرجل لأخيه نعمة فيتمنى أن تزول عنه وتكون له دونه، وجاءت كلمة الحسد في القرآن الكريم بمشتقاتها المختلفة خمس مرات
وقال ابن القيم ـ رحمه الله ـ: أصل الحسد هو بغض نعمة الله على المحسود وتمنى زوالها
فالحاسد عدو النعم، وهذا الشر هو من نفسه وطبعها، وليس هو شيئا اكتسبه من غيرها، بل هو من خبثها وشرها. ( التفسير القيم صـ 583 )
وقد عرّف الشيخ ابن عثيمين ـ رحمه الله ـ الحسد تعريفا آخر فقال:
هو كراهة ما أنعم الله به على غيره، وليس هو تمنى زوال نعمة الله على الغير، بل هو مجرد أن يكره الإنسان ما انعم الله به على غيره. فهذا هو الحسد سواء تمنى زواله أو أن يبقى ولكنه كاره له. كما حقق ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – فقال:
" الحسد كراهة الإنسان ما أنعم الله به على غيره ( كتاب العلم صـ 71 )
وقال صاحب الظلال (6/4008) في تعريف الحسد: هو انفعال نفسي إزاء نعمة الله على بعض عباده مع تمنى زوالها، وسواء اتبع هذا الحاسد هذا الانفعال بسعي منه لإزالة النعمة تحت تأثير الحقد والغيظ، أو وقف عند حد الانفعال النفسي، فإن شراً يمكن أن يعقب هذا الانفعال . أهـ
أصل كلمة الحسد:
يقول الأزهري عن أبي الأعرابي:
إن أصل كلمة الحسد: هو من الحسدل، وهو القُراد،(حشرة تتطفل في أجسام الكلاب وآذان الحمير )
ومنه أُخذ الحسد لأنه يقشر القلب كما تقُْشُر القُراد الجلد فتمتص دمه . ( لسان العرب لابن منظور )
وبعد الوقوف على أصل الكلمة تعلم أنها أنسب ما أطلق على هذا الشر الأسود المستقر في أعماق الحاسدين.








شاهد ايضا

0 Comments


اضافة تعليق