حوارات ثقافية >

فينوس فائق: لست ثورية لكنني أميل إلى التمرد.. والرجل ليس سجان



حاورها: نزار جاف



لا نغالي إذا قلنا أن الشاعر قد يكون مرآة وضمير وروح الأمة حين يعكس في قصائده الإرهاصات والاختلاجات الإنسانية بأنقى صورها ويبحث بمسبار خياله في فضاء الوجد عن حالات الفرح والحزن وعن معنى وكنه الموت والميلاد والكينونة والفناء. ولعل أسماءً عظيمة مثل اللورد بايرون ولانكستن هيوز وبابلو نيرودا وفردريكو كارسيا لوركا ومحمد مهدي الجواهري وأحمد شوقي وعبدالله كوران وناظم حكمت ونيما يوشيج، ليس بإمكان الإنسانية أن تتجاهل مطلقا دورهم الكبير في إثراء التراث الإنساني ورفده بعطاءات وجدانية ثرة سوف تتناقلها الأجيال عبر التأريخ.

وقد يكون بإمكان الكثيرين كتابة الشعر ولكن ليس بالإمكان أن يكون لكل واحد منهم عامل "الموهبة" الشعرية، ذلك أن تكتب شعرا هو شيء، وأن تكون شاعرا بحق هو شيء آخر! وقد يقرأ أو يستمع المرء إلى الكثير من القصائد هنا وهناك، وقد تكون جلها "من حيث قواعد كتابة الشعر"، شعرا، إلا إن القليل منها هو الذي يثير كوامن الإنسان ويدفعه للمضي بلهفة لقراءتها حتى النهاية. ولسنا نبالغ إذا قلنا أن اسم فينوس فائق، من الأسماء التي تغري القارئ وتجذبه بقوة لقراءة ترانيمها وتعاويذها الشعرية في محراب وجدها المتألق دوما بأقمار وشموس تتوالى في دياجير لياليها وفي عز أيامها بحثا عن الوجه الآخر للإنسان، وجه تكتشف فيه فينوس فائق ما يخفى على الآخرين، وإذا كان "وليم بليك" يقول تحديدا:

"كل وجه فيه قسمات فيه ذل فيه حقد"

فإن فينوس فائق تمارس ما يشبه الفراسة في مطالعتها لهذا الوجه، وتحاول اكتشاف جزر جديدة في هذا الكائن الذي لايزال مجهولا على الرغم من كل تلك البحوث العلمية التي تظهر على يمينه وشماله. أحيانا تحاول أن تكون عرافة أو كاهنة تفائل خيرا بزمان ما يزال في رحم الغيب، إنها لا ترجم بالغيب لكنها تعشق أن ينبئها "شيطان" شعرها باستشراقات وضاءة لمستقبل الإنسان. وحاولنا اليوم من خلال هذه المحاورة أن نطالع وبصورة شفافة رؤية الشاعرة فينوس فائق للكثير من المفردات الإنسانية وكيف تقرأ الجوانب الأخرى المعاكسة لها، فكان هذا الحوار.

* قصائدك تحفل بعالمين متناقضين هما خيالية حالمة تبحرين فيها صوب آفاق الفنطازيا، وواقعية مرة وتزيدين من مرارتها بالتأكيد على بعدها الحقيقي المجرد من كل رتوش، هل أن مثل هذين العالمين هما اللذان يشكلان أساس الرؤية لدى فينوس الشاعرة أم أن هناك فضاءات معينة تتحررين فيها من كل الأبعاد والحدود المألوفة وترسمين العالم كما تريدينه أو تحلمين به؟

- الواقع يشكل دائماً ثقلا على الشاعر وحتى على من يتعامل مع أبجديات الشعر، الشيء المقبول المرفوض في آن واحد، الواقع هو الحالة المرفوضة المعاشة، لأي مخلوق كان إنسانا أو حيوانا، طريقته وأدواته التي يواجه بها هذا الواقع وحتى أسلحته التي يحارب بها هذا الواقع، فلو أخذنا بأن أهم ركيزة يرتكز عليها الشاعر لبناء عوالمه الخاصة هي الخيال، لذلك ترى أنني أمزج الواقع بالخيال لكن مقدار الخيال كثيراً ما يكون أكثر حتى أستطيع أن أتجرع الواقع، حتى أتقبله، فالشاعر وعلى اعتبار أنه مرهف الحس والمشاعر أو هكذا يقال هو أكثر الناس الذين يرفضون الواقع ويلجأون إلى الخيال في تمردهم على الواقع.

نعم أعترف أنني كثيراً ما أصل إلى حدود الفنطازيا حتى أبلغ المنطقة التي أنغمس فيها بداخلي مع نفسي ومع ما يختلج بصدري، لكل شاعر مساحته التي يتحرك فيها، وطابعه الخاص، الواقع يتراءى لي أحياناً كلوحة باهتة وأحياناً لوحة بألوان غامقة وكثرة التحديق في اللون الباهت أو الألوان الغامقة تتعب العين أو تتعبني كثيراً، هذا ليس تشاؤما وإنما نوع من الرفض المسالم للواقع الذي لا يتقبله الشاعر، وهو ليس عبثا على غرار ما يفعله الكثير من الشعراء، وإنما هو نوع آخر من التفنن في تجميل ما هو قبيح وتقبله، لذلك تراني أختلق لنفسي فضاءات أخرى أحلق فيها وأتحرر من الأشكال والحدود والأبعاد المألوفة والعادية وأمسك ريشة الشعر وأرسم العالم ولو لحظات بالشكل الذي أريد وداخل الإطار الذي يريحني، فكثيراً يفعل الشعر نفس مفعول المادة المخدرة، حيث يأخذ الشاعر إلى عوالم أخرى يراها هو فقط.

لا أدري إن كنت أمتلك فضاءً خاصاً بي أتحرر فيه من الأبعاد والحدود المألوفة، لكنني كحالة أشعر بها فعلاً، فحين يداهمني أو يحتلني شيطان الشعر أسافر، إلى أين؟ لا أدري، لكنني أكون في رحلة لذيذة بين غيوم الكلمات وسماء التصاوير الشعرية وزخات مطر الشعر التي تقع على رأسي وأحتفل بها في غمرة أحزاني، وأحزن بها في غمرة فرحي، كثيراً ما أبحث عن الحدود لكي أكسرها، ولا أتركها تباغتني فأنكسر، وإنما أبحث عنها وأكسرها لكي أمنح نفسي مساحة أوسع من الخيال وأبدأ رحلة الحلم.

 

* لكن الحدود والأطواق وزوايا الانزواء كلها حالات شبه مألوفة للمرأة الشرقية بشكل خاص، فكيف تبحثين عن مسألة تحاصرك كأنثى وتكتم على أنفاسك، هل تعتقد فينوس أن عوالمها كشاعرة هي غير عوالمها كأنثى؟ وهل هناك تعارض بين كونك أنثى وبين كونك شاعرة؟

 

- المرأة ليست مسؤولة عن التشرذم الاجتماعي والأخلاقي الذي يعاني منه المجتمع، لكنها فريسة تلك الحالة المرضية الاجتماعية، وهذه الحالة هي التي تولد حالة الحدود والأطواق والزوايا في عالم المرأة الشرق أوسطية، أنا عن نفسي أتخلص أو هكذا أدعي من هذه الأطواق بطرق أبتكرها لنفسي، كأن أبحث عن هذه الأطواق بنفسي حتى أكسرها وليس لكي أبجلها أو أبروزها وأستعظمها، هذه عملية عكسية وقلما يقوم بها إنسان أو يتوصل إليها أو يقدر على أن يجسدها، ثم ما تقوله عن المرأة الشرقية هو بالفعل صحيح إلا في حالتي، فأنا أنزوي لأكون أنا، أنزوي حتى لا أضيع بين الكل الضعيف، وليس لكي أمارس الهروب. والحدود والأطواق أكسرها ولا أدعها تكسرني، لا أنكر أنني أتعرض أحياناً إلى الانكسار، لكن الفرق أنني أقوم بردة فعل. المرأة الشرقية التقليدية والعادية التي أنت بصددها قلما تقوى على ردة الفعل، وذلك ليس ذنبها وإنما ذنب النظام الاجتماعي والواقع المفروض عليها.

تخيل أنك مطارد من قبل شخص، وحالة المطاردة هذه تسبب لك الرعب والخوف، وكردة فعل تقوم أنت بعملية عكسية حتى تتغلب على حالة أو وضعية أنك (مطارد) فتتحول من حالة (مطارد) بفتح الراء إلى حالة (مطارد) بكسر الراء، تماما نفس الشيء، فلكي أتفادى المفاجأة التي قد تقتلني، أتحول إلى مطاردة (بكسر الراء) وأكسر أو أقتل الذي يطاردني، التشبيه مجازي، لكن ما أعنيه أنني لا أنتظر حتى أقتل (بضم الهمزة) وإنما أتهرب من إحساسي بأنه سيتم قتلي إلى عكس ذلك.. من المؤكد أن عوالم الشاعرة تختلف تماماً عن عوالم الإنسانة العادية البسيطة، هذا السؤال يذكرني بملاحظة صديق زارنا، فعندما وجد عددا من أصناف الطعام على الطاولة قال وهل هذا كله من صنع يديك؟ قلت له طبعاً، فقال وكيف تكتبين الشعر؟ فقلت: وهل يعني إذا كنت [شاعرة] بالضرورة أن لا أعرف فن الطبخ، فكثيراً ما يزورني الإلهام وأنا مشغولة بإعداد الطعام، فحتى الطبخ عندي عبارة عن قصيدة، يجب أن أتعامل مع ما هو موجود حولي على هذا النحو وإلا لن أستطيع إكمال المشوار. المشكلة في عقلية المقابل أنه لا يفهم أن الشاعرة إنسانة عادية قد تحب المطبخ وتتصور الأواني والأطباق أيضاً قطعا شعرية، فكتابة الشعر هي أجواء وطالما أنني في المطبخ أنقل الأجواء إلى المطبخ وأتعامل مع معدات المطبخ على أنها كلمات في قصيدة. في كلتا الحالتين أنا أنثى، الإنسانة الأنثى، والشاعرة الأنثى، وليستا ندين ولا حتى أنها حالة من الازدواجية، لكن من غير الممكن أن تتوافق مواصفات ومزاجات الشاعرة مع مواصفات ومزاجات الأنثى، لكنني أحاول أن أتأقلم وهذا الشيء يتعبني كثيراً.. من السهل أن أكون أنثى، لكن ليس من السهل أن أكون شاعرة إلا بطقوس خاصة ومزاج خاص، ذلك هو الفرق. أحتاج لأن أحول المطبخ مثلاً قاعة أتلو فيها الشعر، وهذا على صعوبته يرهقني لكنني أنجح في أحيان كثيرة.

لا تنسَ أنني ولدت في كوردستان، تلك المنطقة ذات الجغرافيا المفتوحة الحدود على كل ما يحيط بها، إضافة إلى أنني تلقيت تعليمي في المرحلة الابتدائية في الجزائر، هذه كلها عوامل تركت آثارها في تكوين شخصيتي، وكانت بمثابة المشاكل التي أواجهها باستمرار، فأن يكون الإنسان بداخله كل ذلك الكم الهائل من التعبير وعدم الاعتراف بالحدود بكل أنواعها وأن يحتوي كل ذلك البون الشاسع من التفتح وحب الانفتاح على الآخر والتقرب منه، وأن يكون مشحوناً بكل أنواع الحب وأن تكون أنثى وأن تتعايش مع محيطين أدبيين كوردي وعربي، وأن تصطدم باستمرار بالموانع والحدود والحواجز الدينية والاجتماعية واللغوية والقومية والجنسية والأخلاقية المصطنعة والكاذبة، فكل ذلك يجعلها في مواجهة مستمرة مع المجتمع مرة ومع نفسها مرات أخرى، وتقع في مأزق المقارنات المميتة بين ما تريد كأنثى مرة وكشاعرة مرة أخرى وبين ما هو مفروض عليها في كلتا الحالتين من قبل المجتمع والمحيط الأدبي، وبين ما ترفض هي وما يرفضه المجتمع ..

* المرأة كند للرجل وككائن مستقل هما مسألتان طالما كان سعيك حثيثا لإبرازهما كقضية مهمة تريدين أن تقولين من خلالها شيئا محددا، هل هذه القضية تشكل حجر زاوية في البناء الفكري لقصائدك أم إنها مجرد تلميحات عابرة تنتهي مع انتهاء جذوة الشعر التي تتقد مع مشروع كل قصيدة؟

- كل قصيدة هي بحد ذاتها مشروع مستقل، ومن غير الممكن أن أتخذ من قضية واحدة حجر زاوية في البناء الفكري لكل قصائدي، لكن من الممكن أن أوظف قضية معينة في عدة قصائد، فكر الإنسان عميق وواسع وخصوصاً فكر المرأة والمرأة الشرقية على وجه التحديد، فهي مليئة بالكثير من الانكسارات التي سببتها الكثير من العوامل، اجتماعية، دينية، سياسية، رجولية، إنسانية, حتى عوامل لها علاقة بذاتها، لكن قلما أصور المرأة كند للرجل، بالعكس، أحاول قدر الإمكان أن أقرب بين الرجل والمرأة، أحاول أن أقربهما بحيث يتلاصقان في سطر واحد من قصائدي، وأن أعطي معاني أخرى لنوع العلاقات التي تربط المرأة بالرجل، فحتى علاقة العشق هي على أنواع، كلما نوعت في تصوير العلاقات التي تربط المرأة بالرجل قربت بينهما.. كثيراً ما أنظر إلى الرجل الذي يضطهد امرأة بشفقة، أجده لا يتقن ممارسة أجمل فن في الدنيا وهو فن الحب، وأحاول أن أفهمه أنه مخطئ يجب أن لا يضطهد المرأة حتى يكون بمقدوره أن يحبها، لأن التجارب علمتني أن من يمارس العنف على غيره من غير الممكن أن يقع في غرامه يوماً، والرجل الذي يمارس العنف ضد امرأة من غير الممكن أنه أحبها يوماً ولن يكون بإمكانه أن يحب امرأة في حياته وهو يستحق الشفقة أكثر من غيره، هكذا تكون العلاقة بين الرجل والمرأة إذا كانا ندين، لكنني كثيراً ما أتقصد أن أبتعد عن هذه الفكرة حتى لا أقع فريسة لإحساسي بأن أكره الرجل، حتى أستطيع أن أكتب أجمل ما لدي..

* هل تخاطبين الرجل بصورة عامة أم إنك تخاطبين النخبة المثقفة؟ وقد تعلمين أن هنالك إشكالية حتى لدى المثقفين بخصوص الكثير من المواضيع المتعلقة بالمرأة وطرق حلها ومعالجتها؟ هل لازلت تعولين على "التفاتة كريمة" من حضرة الرجل كي يغير من عمى الألوان لعوالم الأنثى؟ أم إنك ترين أن سعي المرأة نحو عالم خاص بها هو المستحيل بعينه ولاسيما من دون عون الرجل؟

 

- لست من النوع الثوري لكنني كثيراً ما أتمرد لكن بطريقتي الخاصة، أنا من النوع الذي أرفض، لكن بطريقتي، ولا حتى أنني من النوع الذي يعتمد على غيره، المهم أن تتوصل المرأة إلى الفكرة التي ستؤمن بها وأن تقتنع بأن فكرتها صائبة، أنا أؤمن بأن المرأة ليست ندا للرجل ولا حتى نقيضه، لكنني أرفض أيضاً أن تكون المرأة الجزء المكمل للرجل، بمعنى أن تكون المرأة الجزء الملحق بالرجل، أو أن تكون المرأة الفرع أو يكون مكانها الهامش، فأنا أكره أن أكون غصناً على شجرة، أتمنى أن أكون الشجرة نفسها، وهذه الأفكار إذا تأتي من امرأة يصعب فرضها على المتلقي ما لم يكن هناك رجل مؤمن مثلها بمثل تلك الأفكار، من هنا فإن خطاباتي في السابق كانت من التواضع بحيث كنت غالباً ما أخاطب الرجل وعقليته بصورة عامة، وهذا خطأ، فأنا لست مسؤولة عن الرجال الذين هم أساساً ولدوا بعاهة التفكير الخطأ أو بعمى الألوان كما ذكرت، ولا حتى أجد نفسي مسؤولة عن نساء ولدن بالخطأ نساءً ويكرهن أنفسهن أو يهنّ إنسانيتهن - فغالباً ما تهين المرأة نفسها بالمناسبة - ويلعنّ كونهن خلقن نساءً، فهناك نساء يقبلن بظلم المجتمع بنفس المقدار الذي يمارسه الرجل على المرأة.. من هنا لست من النساء اللائي ينتظرن التفاتة كريمة من الرجل، بالرغم من أنني لست ثورية كما قلت، لكنني أميل إلى التمرد لكن بطرق غير عادية..

 

* يقول دوستوفسكي: (إن حياة كل امرأة، مهما يكن كلامها، ليست إلا بحثا أبديا عن سيد تخضع له. إن فيها ظمأ إلى الخضوع) أما فينوس فائق فتقول في قصيدة "الاحتراق":

" لو لم أكن أنثى

لتمنيت أن أكون شمسا

لأنها أنثى

أو شجرة

لأنها تنتهي بتاء التأنيث

أو لأنها خضراء مثل قلب المرأة

أو زهرة

ليقطفني رجل

أو يضعني في مزهرية قلبه

أو حتى تفاحة

ليزرعني

ويرويني

ويأكلني رجل "

أليست هذه الروح الانهزامية في هذا المقطع الشعري هي إقرار كامل وصريح بتابعية المرأة وأصالة "السيادة" الرجولية؟ كيف تفسرين ذلك؟ ألا يبدو ذلك مثيرا للتساؤل ويبعث على الاستغراب؟!

- كثيراً ما أصاب بالإحباط من هذا الكائن الذي اسمه الرجل، والله لو كنت امرأة لما فسرت المقطع الشعري على هذا النحو، بمعنى أدق لماذا يبحث الباحث والناقد الرجل في نصوص المرأة الكاتبة والشاعرة عن مواطن الضعف ويبرزها، وهي في نظره هو فقط منطقة ضعف، وهذا الشيء تفسيره عندي أن الرجل يجد قوته أو يكتشف قوته عندما يشعر بضعف المرأة، أي أن ضعف المرأة تقابله بشكل أوتوماتيكي قوة الرجل وليس لأن الرجل قوي من الأصل، رغم أن مفهومي القوة والضعف مفهومان افتراضيان أو نسبيان إن صح التعبير، فلماذا لا تبدأ بالمنطقة القوية في جسد النص، عندما أقول:

" لو لم أكن أنثى

لتمنيت أن أكون شمسا

لأنها أنثى

أو شجرة

لأنها تنتهي بتاء التأنيث

أو لأنها خضراء مثل قلب المرأة "

أليس هذا اعتزازا وافتخارا بكوني أنثى وأنني لا أبدل أنوثتي إلا بالأشياء التي لها دلالات أنثوية مثل الشمس التي جنسها مؤنث في اللغة والشجرة التي هي الأخرى مؤنثة لأنها تنتهي بتاء التأنيث أو لأنها خضراء مثل قلب [المرأة]، أما المقطع الآخر الذي أقول فيه:

" أو زهرة

ليقطفني رجل

أو يضعني في مزهرية قلبه

أو حتى تفاحة

ليزرعني

ويرويني

ويأكلني رجل "

فهو دليل على أنني أرفع من شأن الرجل عندما أسمح له بأن يقطفني إن كنت زهرة، أنتم الرجال تفسرون قصائد المرأة كمن يفسر الآية ولا تقربوا الصلاة... بدون إكمال الباقي.

* أرجو أن لا تذهبي بعيدا نوال السعداوي مثلا، ترى في المرأة هي الأصل وحاولت ولاتزال تحاول أن تفرض مفاهيمها على عالم الرجال، لكنها "كأنثى" لا تساوم أو تظهر شيئا من المرونة حيال الرجل، وأنا أراك تظهرين شيئا من ذلك، والسؤال هو إلى أي مدى تؤمنين بقضية تحرر المرأة وهل بإمكان المرأة أن تستغني عن الرجل "افتراضا" إذا ما قادت الأمور يوما لذلك؟

- لماذا عندما يتحدث الرجال عن تحرر المرأة يضعون الافتراضات؟ ثم هناك مسألة لا أفهمها لحد الآن، وهي أن الكثير من النساء والرجال على حد سواء عندما يتحدثون عن قضية يتحدثون وكأن الرجل هو السجان، وأود توضيح حقيقة مهمة، وهي إذا كان هنالك نماذج سلبية كثيرة في عالم الرجال فهناك في الوقت نفسه نماذج إيجابية يمكن الركون إليها، أنا أحاول أن أنظر دوما إلى الجوانب الإيجابية إذ أن نماذج مثل اللورد بايرون ووالت ويتمان وتوماس سيزر أليوت وجان بول سارتر مثلا، تشكل تراثا إنسانيا مشرقا من حيث عمومية نظرتها الإنسانية في التعبير، إن تحرر المرأة لا يتم بالابتعاد عن عالم الرجل، أنا لا أقول أن المرأة فقط هي الأصل، لكنني أقول لولا المرأة لما كان الرجل، فحتى الرجل فسيولوجياً، لسبب بسيط ربما هو سبب واهٍ أو خالٍ من العلم أو ليس قائما على أي حقيقة علمية، لكن المرأة تحمل في أحشائها الأنثى والذكر على حد سواء، يتغذى الجنين منذ أن يخلق في رحم الأم من ما تتغذى عليه الأم، ثم يخرج الجنين من بطن أمه ليتغذى من حليب الأم، ويتلقى سبعين بالمائة من تربيته الأسرية على يد الأم التي هي أنثى، فكيف تريد أن تثبت لي أن الرجل هو الأصل، هل لأنه فقط صاحب البذرة؟

حسناً لننظر إلى مسألة تحرر المرأة بمنظار مختلف تماماً، لأننا نحتاج غالباً إلى أن نغير النظارات، هل يعقل أن يساوي تحرر المرأة ابتعادها عن عالم الرجل؟ هل تستطيع المرأة أن تجسد معنى تحررها بعيداً عن الرجل؟ إذاً لو فكرنا بعمق [فإن] الرجل هو الذي لم يتحرر بعد، الرجل هو الذي محاصر بأفكار يفرضها على المرأة، المرأة ولدت متحررة، لكن الرجل هو الذي يضع العراقيل أما هذا التحرر، وقبل ذلك يجب على الكثير من النساء أن يؤمن بتلك الحقيقة، التي هي أن المرأة تتحرر لكن من من؟ من أي شيء، ليس المهم أن أبتعد عن الرجل لأنال تحرري، المهم أن أتحرر وأنا في حضن رجل، عذراً للعبارة، لكن تلك هي الحقيقة، هناك الكثير من النساء يمارسن حقوقهن الشرعية لكن في الخفاء وتلك مصيبة، والشريك في تلك المصيبة هو الرجل نفسه، المشكلة تكمن في عقلية مجتمع بأسره، المرض يستفحل في جسم النظام الاجتماعي والديني والفكري وحتى الأخلاقي لمجتمع بأكمله، وما يزيد الطين بلة هو الفهم الحقيقي لمعنى التحرر، ما هو التحرر، هل هو المساواة بالرجل؟ أبداً التحرر شيء والمساواة بالرجل شيء مختلف تماماً، المساواة هي نهاية المطاف، والتحرر هو بداية البدء، لكن مع الرجل، الرجل بحاجة للتحرر أكثر من المرأة، المشكلة أن الكل يعتقد أن المرأة هي التي يجب أن تتحرر، لكن الحقيقة هي أن الرجل هو الذي يجب أن يتحرر، ثم أن تتحرر المرأة، لأن تحرر المرأة لا يقود إلى تحرر الرجل بل يعقد المسألة، بل تحرر الرجل هو الذي يمهد الطريق أمام تحرر المرأة، فطالما لا يتحرر الرجل من الأفكار القبلية المتخلفة والأمراض الاجتماعية والأخلاقية لن ينفع أي كلام في موضوع تحرر المرأة.

* تقولين في قصيدة "أربع رسائل بيضاء" :

" سلام على ظل الصوت






شاهد ايضا

0 Comments


اضافة تعليق